الرئيسية / قصص قصيرة / قصة قصيرة بعنوان (موسيقى من نوع آخر) للروائي القاص سليم عيشان

قصة قصيرة بعنوان (موسيقى من نوع آخر) للروائي القاص سليم عيشان

(( موسيقى … من نوع آخر ))؟؟!!
قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة )
======================= تنويه :
النص اجتماعي بحت ( هذا من وجهة نظر الكاتب ) … اللهم إلا إذا رأى القارئ المتلقي الراقي غير ذلك ؟؟!!! .
إهداء متواضع :
إلى ” العم أحمد ” … وكل ” عم أحمد ” ..
( الكاتب )
——————–
(( موسيقى … من نوع آخر )) ؟؟!!
طفولتي المبكرة اقترنت بذكريات عديدة ؛ المفرحة منها والمحزنة على حد سواء ، وأعترف صراحة بأن ” العم أحمد ” كان من أبرز تلك الذكريات ، وبطبيعة الحال فإنه لا يجوز ذكر ” العم أحمد ” دون ذكر المرادف الطبيعي له ، ألا وهو ” موتور المياه ” العتيد الذي كان يديره منذ سنوات وسنوات خلت .
كم سعدت واستمتعت – ورفاقي من الأطفال أيضاُ – لصوت ” موتور المياه ” المميز عندما كان يديره ” العم أحمد ” بحذق ودراية ليروي أشجار البيارات والحقول من حوله ويحيلها إلى جنة وارفة الظلال ، فكان صوت ” الموتور ” أشبه ما يكون بموسيقى عذبة ؛ ولكنها موسيقى من نوع آخر .
كم كان يحلو لنا – عندما كنا أطفالاً – أن نحمل الصفائح والأواني المختلفة لنملأها بالماء العذب الزلال المنهمر كالشلال من ” موتور العم أحمد ” ، فلقد كان لنا في ذلك متعة وأي متعة . لم يكن جل همنا ملء الصفائح والأواني بالماء بقدر ما كان هدفنا الاستماع إلى عذوبة دقات ” موتور المياه ” المميزة عن قرب ، فتمتلئ نفوسنا سعادة وقلوبنا حبوراً ، فنتلكأ في تأدية المهمة لنستمتع أكثر وأكثر ، فنتقاذف حفنات الماء بلهو وبراءة طفولية ؛ وقد يصل الأمر بنا في أحيان كثيرة إلى خلع ملابسنا والاندفاع للاستحمام بالماء المنعش لترطيب أجسادنا خاصة في أيام الصيف القائظ .
بدوره ؛ لم يكن ” العم أحمد ” ينهرنا أو يوبخنا لما نسببه له من فوضى وضوضاء ، بل إنه كان يتودد إلينا ويداعبنا ، ويحنو علينا حنو الأب العطوف على وليده ، ولعله بذلك كان يعوض شيئاً من حنان الأبوة المفقودة لديه – فلم نعرف له في يوم من الأيام زوجة أو أبناء أو منزل يقيم فيه سوى هذا المكان – فكان بهذا وذاك يضيف سعادة جديدة لسعادتنا الغامرة .
تعود الجميع على سماع صوت ” موتور العم أحمد ” المميز وفي أوقات محددة ومنتظمة ، كانوا يفتقدونها إذا انقطعت ؛ ليس كل الاهتمام والافتقاد لمجرد عدم وصول المياه إليهم ؛ بل كانوا يفتقدون أمراً محبباً اعتادوا على سماعه سنوات وسنوات ، فيسارعون للاستفسار ويهبون للمساعدة إذا كان الأمر يدعو لذلك ، فإذا كان الأمر يتعلق بحدوث عطب ما في ” الموتور ” شمر الرجال والشباب عن سواعدهم وراحوا يساعدون ” العم أحمد ” في إصلاح العطب ، بينما الأطفال من حولهم يتابعون الأمر واجمين ، وقد يستعصي الأمر عليهم جميعاً ، فيتبرع أحدهم بإحضار ” المهندس ” من المدينة لإصلاح العطب ، ويهرول آخر يلهب ظهر دابته التي تجرعربة متهالكة لإحضار بعض قطع الغيار اللازمة للموتور ، فما هي سوى سويعات حتى يعود ” الموتور ” إلى إصدار نغمات موسيقاه الرائعة ، فيهلل الأطفال ، ويبتسم الرجال وتزغرد النسوة ، فتختلط الأصوات الآدمية لتتحد مع صوت ” الموتور ” لتكّون في النهاية سيمفونية عذبة فريدة .
لا أظنني رأيت ” العم أحمد ” في يوم من الأيام بعيداً عن ” موتوره ” الأثير ، فإما أن أراه يتناول وجبة طعامه المتواضع بالقرب منه ، أو أراه يتوضأ من المياه الرقراقة المنسابة بعذوبة ولا يلبث أن يعتدل قائماً لأداء الصلاة في مكان قريب جداً . حتى إذا كان موعد القيلولة .. فإنه يتوسد فراشاً بسيطاً في ركن ليس بالبعيد .. فيغفو والابتسامة العذبة تغطي محياه بينما راح
” الموتور ” يصدر ” طرقعاته ” المتوالية المحببة بإيقاع عذب .
وتوالت الأيام … ولم نكن نهتم كثيراً – والعم أحمد كذلك – للزحف العمراني المتسارع من حولنا ، فلقد كنا في بلهنية من الأمر بحيث تعذر علينا متابعة التناقص السريع في حجم المساحة الخضراء المحيطة بالمكان وتحولها إلى غابات أسمنتية .
حتى كان ذلك اليوم القريب ، عندما حضر عدد من الأشخاص الغرباء يستقلون السيارات الفخمة الفارهة، فتجمع الأطفال من حولهم ، ولم يلبث أن انضم إليهم الشباب والرجال والنسوة ، يتابعون الموكب وهم لا يدرون وجهته ، وما هي سوى لحظات حتى استقر الأمر بهم أمام ” موتور المياه ” والأشجار المحيطة به . تحدث أحدهم ؛ فقاطعه آخر ؛ وتدخل ثالث ؛ وعقب رابع ، وانضم الجميع إليهم ، فلم نكن نسمع سوى لغط وحديث متداخل غير مفهوم ، وَحَدَثَ تقاذف بالحديث ؛ تبعه تماسك بالأيدي وتدخل من البعض لإصلاح الأمر ، واستمر الأمر طويلاً ، ثم انسحب الموكب بعد أن هدأ الصخب والضجيج ، ولم نفهم من الأمر شيئاً !!.
وبعد أن انفض الجميع من المكان ، بقي ” العم أحمد ” وحيداً في المكان ، ولكنه وقف متسمراً ساهماً واجماً .
اقتربت منه لاستطلاع الأمر ؛ هالني وجومه وسكونه ، فلما دققت النظر في وجهه ،هالني مشهد الدموع المنهمرة من عينيه كالمطر .. تأثرت للأمر ، فلم يحدث أن رأيت ” العم أحمد ” في مثل هذا الموقف من قبل ، ولم يسبق أن رأيته أو رآه أحد يبكي مهما كانت جسامة الأمور .. اقتربت منه أكثر ، أخذت أربت على كتفه ورأسه مهدئاً ، تفوهت بحروف وكلمات عفوية مستوضحاً الأمر ، أجابني بحروف وكلمات مختلطة بالأنات والآهات ، لم أفهم منها سوى ترديده كلمة ” الموتور” عدة مرات ، عدت للاستفسار مرة أخرى ببلاهة ، نظر نحوي بعيون متقدة كالجمر، استطاع أن يكبح جماح نفسه بصعوبة ، تفوه بكلمات مضطربة ، أفهمني بأنهم يريدون هدم ” الموتور ” ، وخلع الأشجار . عدت للاستفسار ، فأخبرني بأن صاحب ” البيارة ” يريد أن يقيم عمارة ضخمة أو ما يسمونه ” برج ” مكان ” الموتور ” و ” البيارة ” ، أفهمني بأن العمل سيبدأ غداً ، وأنهم جاءوا من أجل معاينة المكان وإعلامه بالأمر لإخلاء ” الموتور والبيارة ” من الآن .
بدون أن أدري .. انهمرت الدموع متلاحقة من عينيّ … فلقد أدركت سبب تأثر ” العم أحمد ” وها أنا بدوري أشاركه الأمر .. أشاركه البكاء بل النحيب . معنى ذلك بأننا لن نستمع إلي صوت الموسيقى الشجية المنبعثة من ” الموتور ” الخالد التليد ؟! معنى هذا بأن صوته سوف يسكت إلى الأبد ؟! معنى هذا بأن الذكريات الجميلة القديمة ستضيع .. ستموت إلى الأبد ؟! . وبدون أن أشعر وجدتني أندفع نحو ” العم أحمد ” أحتضنه .. أواسيه .. أشاركه البكاء والنحيب .
غادرت المكان مترنحاً .. ألقيت بنظرة أخيرة نحو ” الموتور ” الصامت كصمت القبور … لمحت ” العم أحمد ” وهو يندفع نحو ” موتوره ” الحبيب … يحتضنه … يقبله … يبلله بالدموع .. يتمرغ من حوله … يئن أنيناً غريباً … سرت وكأنني أسير في موكب جنائزي … فلم أعد أطيق تحمل الموقف ..ولم أعد أطيق تصور الأمر .. فمنذ الآن سوف يسكت صوت ” الموتور ” إلى الأبد؟!
أقبل المساء وحلت الظلمة الحلكاء … انتصف الليل أو كاد وأنا ما زلت أتقلب في فراشي محاولاً النوم بلا فائدة .
بُعيد انتصاف الليل .. هُيئ لي بأنني أسمع صوتاً… يشبه صوت ” موتور المياه ” ؟! استبعدت الأمر .. فليس من الممكن أن يكون هو .. خاصة في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل والذي لم يسبق في ليلة من الليالي أن كان … لم يلبث أن ارتفع الصوت رويداً رويداً ، فتأكدت من الأمر .. نهضت من فراشي فزعاً .. فلا بد أن يكون قد حدث أمر ما .. هرولت إلى الخارج .. هالني الأمر .. فلقد وجدت الكثير من الجيران وقد تجمعوا في الخارج يتساءلون .. اندفعنا ناحية ” موتور العم أحمد ” والحيرة بادية على الجميع ، مع كل خطوة نخطوها كانت تتردد في آذاننا وأنفسنا دقات ” الموتور ” الصاخبة .. ومع كل اقتراب من المكان كانت تزداد دقات قلوبنا المرتجفة المضطربة … ويزداد قرع ضربات ” الموتور ” المنتظمة المتلاحقة المدوية .
وصلنا المكان … وقفنا للحظات نلتقط الأنفاس .. بحثنا بعيوننا في كل مكان عن ” العم أحمد ” فلم نجده … رفعنا عقيرتنا بالنداء فلم نسمع سوى صدى الأصوات … هالنا الأمر .. رحنا نركض هنا وهناك … نبحث .. ننادي .. بلا جدوى أو فائدة … وراح السؤال الرهيب يتوالى ويتضخم بشكل مخيف … أين ذهب الرجل ؟؟!! أين ذهب الرجل ؟؟!! لا أحد يدري … لا أحد؟!.
في تلك الليلة ؛ اختفى ” العم أحمد ” إلى الأبد … وفي اليوم التالي اختفى صوت ” موتور المياه “، فلقد أُزيل من المكان .. وقُطعت الأشجار المحيطة به … وبعد عدة أيام بدأ البناء وبعد عدة شهور تطاول البناء إلى عنان السماء، وبعد عام أُقيم ” برج ” ضخم في المكان .
يؤكد جميع سكان ” البرج ” بلا استثناء .. بأنهم وبُعيد انتصاف الليل ؛ ينهضون من نومهم فزعين على صوت ” موتور المياه ” الذي يبدأ خافتاً .. ثم يرتفع تدريجياً … حتى يكاد أن يصم الآذان … فيُهرولون إلى الخارج … بعد أن يأخذ ” البرج ” في الاهتزاز والتمايل ؟؟!!……
( انتهى النص … ولم تنته الحكاية بعد ؟؟!! )

شاهد أيضاً

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثالث) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “ ( الجزء الثالث ) … والأخير ++++++++++++++++++++ بعد أن أخذ …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثاني) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

قصة قصيرة ” باص الحاج موسى “ ( الجزء الثاني ) ………………… ” الحاج موسى …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان "علاونه"

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “ ( الجزء الأول ) بقلم / سليم عوض عيشان ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *