الرئيسية / قصص قصيرة / قصة قصيرة بعنوان صندوق العجب

قصة قصيرة بعنوان صندوق العجب

صندوق العجب
……………….
… ثمة رجل يرتدي ملابس غريبة يبتسم ابتسامة عريضة وهو يهتف :
” اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد …. اتفرج يا سلام ” …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف أبو زيد الهلالي سلامه فارس الفوارس …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف الزير سالم إيش بيعمل …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف عنترة ابن شداد وعبله حبيبته …
وما أروع تلك الكلمات .. وما أجمل هذه العبارات التي كانت تشلف آذان الصبية والأطفال .. فيركضون وراء الرجل الذي يحمل ” صندوق العجب ” على ظهره وكتفيه .. ويحمل بعض المقاعد الخشبية المتآكلة بين يديه .. فيطاردونه وهم يحملون ( الملاليم ) .. أو ” أرغفة الخبر ” … أو ” بيض الدجاج ” … لكي يدفعونها للرجل صاحب ” صندوق العجب ” أجراً للمشاهدة الممتعة … فما يكادوا أن يصلوا إلى مكان تواجده.. وبعد أن يقفوا طويلا في الطابور الطويل للصبية والأطفال المنتظرين … حتى يجلسهم الرجل على بعض المقاعد الخشبية القديمة المتآكلة .. ( وهذا بالطبع بعد أن ينقدونه ما يحملون من أشياء ( نقدية أو عينية ) .. فيجلسهم الرجل أمام ( صندوق العجب ) خاصته .. ثم يقف وراء الصندوق الساحر العجيب .. ويطلب منهم أن يضعوا أعينهم على تلك الفتحات الضيقة التي وضعت عليها (مرآة مكبرة قديمة عفا عليها الزمن) .. فينصاع الأطفال لأوامره بسعادة وفرح وابتسامات تصل بهم إلى مرتبة الضحك المدوي البريء … فيبدأ الرجل بتشغيل وعرض تلك ( الصور البدائية ) .. للأبطال والفرسان من الزمن الغابر .. ( وهي صور ورقية رصت إلى جانب بعضها البعض وتم لصقها ببعضها .. وقد ثبتت إلى قطعتين من الخشب إسطوانتي الشكل يقوم بلف الصور على كل منهما بالتناوب ) بينما يقوم الرجل بترديد عباراته المشهورة بلا كلل ولا ملل مصاحباً للصور التي تمر تترا من أمام أعين الأطفال ..:
… ” اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد …. اتفرج يا سلام ” …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف أبو زيد الهلالي سلامه فارس الفوارس …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف الزير سالم إيش بيعمل …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف عنترة ابن شداد وعبله حبيبته …
فيصفق الأطفال لأبي زيد الهلالي سلامة عندما يقطع رقاب الأعداء بسيفه البتار …. ويزغردون لعنترة ابن شداد العبسي عندما يحرر حبيبته ” عبله ” من الأسر ويعود بها سالماً غانماً .. ويهللون للزير سالم بطل الأبطال صاحب الشارب الكثيف الكث فوق شفته العليا … وتمر من أمامهم الصور الجميلة تترا … وتستبد بهم النشوة وتغمرهم السعادة الغامرة .. ويحسون وكأنهم يشاركون الأبطال في المعارك .. وفي قتل الخصوم … ويشعرون وكأنهم يعيشون تلك الحقبات الزمنية البعيدة …
فإذا ما انتهى العرض ( البدائي ) .. ارتفع صوت صاحب ” صندوق العجب ” معلنا انتهاء العرض .. طالبا من الجميع النهوض من أماكنهم لكي يتيحوا الفرصة لأطفال آخرين بالجلوس والمشاهدة … فتنقلب ابتسامات الأطفال وضحكاتهم إلى غصات ألم .. وعبوس وتجهم .. وقد يصل بهم الأمر إلى حد البكاء .. ويحاولون التشبث بالمقاعد وعدم النهوض عنها لكي يتفرجون أكثر وأكثر على صندوق العجب .. ولكن صاحب الصندوق لا يعجبه الحال فينهرهم بلطف في البداية ثم ترتفع عقيرته بالتهديد بالويل والثبور .. فيحل زناره ( حزامه ) ويلوح به في الهواء مهددا إياهم بالضرب بالزنار .. والحال كذلك .. لا يسعهم سوى النهوض بتثاقل من أماكنهم خشية أن ينفذ صاحب الصندوق التهديد بشكل فعلي وفي قلوبهم غصة ألم … ولا يسع الأطفال إلا أن يتركوا المقاعد ويفسحوا المكان للآخرين الذين كانوا يقفون في طابور طويل بالانتظار .. فيحدجون الأطفال الآخرين بالنظرات الحارقة لأنهم أفسدوا عليهم متابعة متعة المشاهدة .. فيحاولون الوقوف لبعض الوقت كمتفرجين على المتفرجين .. ثم لا يلبثوا أن يغادروا المكان بحسرة وألم وتثاقل وما زال صوت صاحب ” صندوق العجب ” يطن في أذني .. وحتى الآن ..
.. ” اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد …. اتفرج يا سلام ” …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف أبو زيد الهلالي سلامة فارس الفوارس …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف الزير سالم إيش بيعمل …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف عنترة ابن شداد وعبله حبيبته …
و …. اتفرج يا سلام ………

شاهد أيضاً

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثالث) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “ ( الجزء الثالث ) … والأخير ++++++++++++++++++++ بعد أن أخذ …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثاني) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

قصة قصيرة ” باص الحاج موسى “ ( الجزء الثاني ) ………………… ” الحاج موسى …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان "علاونه"

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “ ( الجزء الأول ) بقلم / سليم عوض عيشان ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *