الرئيسية / قصص قصيرة / قصة باص الحاج موسى (الجزء الثاني) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثاني) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

قصة قصيرة
” باص الحاج موسى “
( الجزء الثاني )
…………………
” الحاج موسى ” .. أثناء قيادة ” الباص ” ، كان يحادث ذاك وهو يبتسم ابتسامته العريضة المعهودة .. ويمازح آخر ببراءة وحبور .. ويداعب ثالث مداعبات لطيفة .. يلقي بكلماته كقطع السكر ” المعقود ” ، يوزعها على الجميع بعدالة متناهية .
أسعدتني كلماته الرقيقة ، ومخارج الحروف العذبة من بين شفتيه ، فكان لإيقاع بعض الكلمات ” الممطوطة ” طعم آخر ، ومذاق مختلف ، فكانت كلماته وخاصة ” الممطوطة ” منها تخرج كجمل موسيقية عذبه تسعد النفوس وتأسر القلوب .
استرعت انتباهي بشكل جيد تلك الكلمات التي تشتمل على حرف ( القاف ) .. والتي لم يكن لها وجود في قاموس لغة الرجل وحديثه ، فكان ينطق ( القاف ) ( ألفاً ) وبطريقة انسيابية عذبة ، خاصة عندما يتوجه لي بالأوامر المتلاحقة ، فيقول :
– افتح الباب يا ( ألبي ) …
– إإفل الباب يا ( ألبي ) …
وهو يعني بالضرورة كلمة ( قلبي ) بكلمته العذبة ( ألبي ) ؟؟!!.. وكلمة ( اقفل ) بكلمته العذبة (إإفل ).
كنت – والأطفال – نقوم بالمهام الموكلة إلينا بشكل جيد ، ولم يتوانَ أحدنا عن تنفيذ أوامر ” الحاج موسى ” حال صدورها .. بل وكان ينتظرها على أحر من الجمر وبشوق كبير .
.. الأمر المفاجئ كان يصدر فجأة ..
– افتح الباب يا ( ألبي ) ..
ولما وجدت بأنه لم يكن هناك أي أحد ينتظر على قارعة الطريق للصعود إلى ” الباص ” .. كما ولم يكن هناك أي أحد يود الترجل منه ، تلكأت في تنفيذ الأمر لبعض الوقت وقد اعتقدت بأنه أمر صدر من السائق بطريق الخطأ . ولكن الأمر تكرر مرة أخرى مع ابتسامة عريضة ..
– .. افتح الباب يا ( ألبي ) ..
والأمر كذلك ، لم يكن من بد سوى الانصياع للأمر وتنفيذه بسرعة ، فما كان من الرجل ” السائق ” إلا أن نهض من مكانه من خلف المقود بتثاقل شديد ، إذ يبدو بأن رزمة أمراض العظام والأعصاب والروماتيزم لم تكتف بغزو القدمين فحسب ، بل يبدو بأنها قد تجاوزت الأمر بكثير .. إلى غزو سائر الجسد .
نهض الرجل من مكانه بتثاقل ، يجر قدميه جراً .. ويتطوح بجسده ذات اليمين وذات الشمال ، ثم بدأ في نزول درجات سلم ” الباص ” ببطء ، لتطأ قدميه الأرض في نهاية الأمر بصعوبة .
التفت ناحيتنا وهو يبتسم ابتسامة عريضة هاتفاً :
– ” خدوا بالكم من ” الباص ” يا اولاد .. أوعوا حد منكم يسوق ” الباص ” !! ” .
ثم أدار ظهره إلينا .. وغادر ..
يبدو أن الأطفال – ذوي الخبرة العالية – قد فهموا أوامر ” الحاج موسى ” .. ولكن بطريقتهم الخاصة ؟؟!!.
.. راح الأطفال يتدافعون نحو ” المقود ” .. ونحو المقعد. نحو مقود ” الباص ” .. ومقعد السائق .
تدافع الأطفال بشكل سريع ومباغت ، ولم يلبثوا أن اشتبكوا في عراك بالأيدي والأرجل .. بعد أن تجاوزوا مرحلة كيل السباب والشتائم لبعضهم البعض .
بطبيعتي الهادئة .. وعدم خبرتي في مثل هذه الأمور ، لم أتدخل في معركتهم حامية الوطيس ، واكتفيت بالجلوس على مقعدي ومتابعة الأمور والأحداث الجسام التي كانت تحدث بين الأطفال .
.. ارتفع صراخ الأطفال وصياحهم .. سالت الدماء من بعضهم ..حاول العديد من الركاب التدخل لفك الاشتباك العنيف دون جدوى .. تدخل صبية وأطفال جدد في الأمر للإصلاح .. ولم يلبثوا أن أصبحوا طرفاً من أطراف المعركة حامية الوطيس .
عن بعد .. كان الرجل ” الحاج موسى ” يأتي متهادياً .. يسير ببطء شديد وهو يحمل بين يديه شيئاً .. استطعت بصعوبة أن أتبين أنه ” فرش عجين ” !! لأنه يشبه تماماً ذلك ” الفرش ” الخشبي الذي كنت أحمله عادة وأسير به نحو ” المخبز ” لإنضاج الأرغفة مقابل ملاليم زهيدة .. أو مقابل بعض الأرغفة في بعض الأحيان إذا عز الحصول على تلك الملاليم ؟؟!! .
بأريحية غريبة ، وبمبادرة سريعة ، كنت أنهض من مكاني وأندفع ناحية ” الحاج موسى ” الذي كان يسير بتثاقل ، فأتناول من بين يديه ” فرش العجين ” ، وأضعه فوق رأسي ، وأسير به إلى جانب الرجل ، متجهين ناحية ” الباص ” التليد .
.. ما إن وصلنا إلى ” الباص ” حتى كان الأطفال الذين كانوا يشتبكون في عراك دموي قبل قليل ، حتى كانوا جميعاً يفرون من ساحة المعركة ويعود كل منهم إلى مكانه السابق وذلك قبل أن يصل السائق إليهم ، وجلسوا في أماكنهم يتصنعون الهدوء والسكينة وهم يعتقدون بأن مثل هذه الحركات سوف تنطلي على السائق ؟؟!! .
ما إن وصل الرجل إلى مقعده المخصص لقيادة ” الباص ” ، حتى كان يبتسم ابتسامة عريضة ، وهو ينظر ناحية الجميع ، فلم تكن مثل تلك الأمور من الهدوء المصطنع .. لتنطلي على رجل محنك مثله .
فلقد اكتشف ما حدث بين الأطفال .. بحكم الخبرة في مثل هذه الأمور ، وبحكم تجاربه السابقة ومعرفته المسبقة لحدوث مثل تلك الأمور ، ولأن أرض المعركة ما زالت تشهد على مدى الفوضى التي وصلت إليه الأمور .
تناول الرجل ” فرش العجين “من فوق رأسي ووضعه في مكان قريب منه قبل أن يجلس على مقعده ، ثم التفت ناحيتي هاتفاً بابتسامة عريضة …
– ” تعال إنت يا ( ألبي ) .. تعال اجلس على هذا المقعد لتقود الباص !!! ” .
المفاجأة كانت أكبر من أن يستوعبها عقلي المتواضع .. وفكري البسيط .. وخبرتي الضحلة ..
أصبت بالحرج الشديد واستولى عليّ الخجل العظيم ، فلم يسبق لي في يوم من الأيام أن قمت بقيادة ” دراجة هوائية ” وليس قيادة ” باص ” بمثل هذا الحجم .. ولم يسبق لي أن فكرت – مجرد تفكير – في مثل هذا الأمر أو ذاك ..
تساءلت في نفسي :” لماذا اختارني الرجل بالذات لكي أقوم بهذه المهمة العويصة وأنا الذي لم أطلبها منه ولم أفكر فيها ؟؟!! ” .
.. يبدو أن الرجل بحنكته الكبيرة ، وخبرته العريضة .. قد تأكد بأنني لم أشترك في معركة الأطفال حامية الوطيس في تنافسهم من أجل الجلوس على مقعد السائق والعبث بالمقود ..
عندما لاحظ الرجل ترددي .. أمسك بيدي بشيء من القوة .. وأجلسني على مقعده المخصص للقيادة .. ووضع كلتا يديّ على المقود ، وقدميّ على ” الكوابح ” .. وأشار لي إلى مكان تشغيل السيارة ” السلف ” .. وساعدني بإمساك يدي للمساعدة في عملية تشغيل السيارة .
بدأت السيارة تهدر ببطء .. وبدأ قلبي بالخفقان بشدة .. تابع الرجل أوامره المتلاحقة لي موضحاً كيفية البدء بعملية قيادة ” الباص ” وتسييره .
قمت بتنفيذ الأوامر محرجاً خجلاً .. مضطرب القلب والنفس واليدين … ولكن شعوراً طاغياً من السعادة قد استولى عليّ بشكل كبير خاصة لما رأيته في عيون ونظرات الأطفال الآخرين الذين لم تتحقق لهم مثل هذه الأمنية … ومثل هذه الفرصة الذهبية التي سنحت لي .
تحرك ” الباص ” ببطء .. تابع الرجل إصدار أوامره المتلاحقة .. بادرت بالتنفيذ ، فزادت السرعة النسبية لـ ” الباص ” .
طغت السعادة الغامرة على كل حواسي بشكل غريب ، ارتسمت الابتسامة العريضة على وجهي وعلى وجه السائق، بينما ارتسمت علامات الاستنكار والغضب على وجوه الكثير من الأطفال .
بادر الرجل بإصدار أوامره العكسية تمهيداً للتوقف ، فقمت بتنفيذ تلك الأوامر بدقة متناهية ، إلى أن توقف ” الباص ” عن السير تماماً في النهاية .
صفق لي الرجل بكلتا يديه بحرارة ، بينما الابتسامة العريضة تغطي محياه .. مد يده مصافحاً مهنئاً هاتفاً :
– برافو يا ( ألبي ) … سوف تكون سائقاً ماهراً ذات يوم !!!
نهضت من مكاني عن مقعد السائق كي أفسح المجال ” للحاج موسى ” ليتولى القيادة الحقيقية .. وعدت إلى مقعدي السابق إلى جوار الباب الأمامي .. حيث مقبض الماسورة الطويل المتصل بالباب.. ورحت أقوم بالمهمة من جديد .
في وقت لاحق ، طلب مني ” الحاج موسى ” فتح الباب ، فقمت بتنفيذ الأمر فوراً .. قام بحمل ” فرش العجين ” مرة أخرى ، ففهمت ما نواه الرجل ، نهضت من مكاني بسرعة .. سارعت لحمل ” فرش العجين ” عنه ، والترجل من ” الباص ” .. وسرت إلى جانب” الحاج موسى “سعيداً مسروراً بهذه المهمة .. متوجهين ناحية ” المخبز ” … في ذات الوقت … نهض الأطفال من أماكنهم … وعادوا لاستئناف المعركة من جديد ..
بعد أن قمنا بمهمة تسليم ” فرش العجين ” للخباز لإنضاج الأرغفة .. انتظرنا لبعض الوقت حتى يتم ذلك .. ثم حملته ” الفرش ” مرة أخرى فوق رأسي ، وسرت إلى جانب ” الحاج موسى ” متجهين ناحية ” الباص ” بعد الانتهاء من المهمة … في ذات الوقت الذي كانت فيه أصوات الأطفال عن بعد تهدأ بالتدريج .
جلس الجميع في مقاعدهم … تناول ” الحاج موسى ” رغيفاً من الخبز الساخن … قطع منه قطعة قدمها لي.. وأخرى لطفل ثان .. وأخرى لثالث … وأخرى وأخرى …
ثم … تحرك ” الباص ” ببطء ليكمل الرحلة ، الرحلة الطويلة .. لمشوار المفاجآت والغرائب .
وجد ” الحاج موسى ” بأنه وبعد هذه الرحلة الشاقة الطويلة .. وجد بأنه من الواجب أن يقوم بالترفيه عن ركاب ” الباص ” ، وخاصة أن جلهم من الأطفال ، فاتخذ خط سير مفاجئ وبطريقة عكسية.. متجهاً ناحية .. شاطئ البحر .
ما إن اكتشف الجميع ، وخاصة الأطفال ذلك .. حتى هللوا وهتفوا ، وبدأوا بالغناء والنشيد والتصفيق بمرح وسرور .
اقترب ” الباص ” بما فيه الكفاية من شاطئ البحر ، ولم ينتظروا الأمر من السائق لي بفتح الباب، بل اندفعوا نحوي يشدون الماسورة الطويلة ذات المقبض الغريب بقوة ، ليفتحوا باب السيارة على آخره ، وليترجلوا من الباب بسرعة متراكضين ناحية شاطئ البحر .. رماله الذهبية، ومياهه الفيروزية .
خلع الأطفال ملابسهم بسرعة ، ألقوا بأنفسهم في لجة المياه الفيروزية بسعادة وحبور ، وراحوا يتراشقون المياه .. الرمال .. الكلمات .. والضحكات .
لم يسعني والحال كذلك سوى الترجل من ” الباص ” بعد أن اكتشفت بأنني بقيت وحيداً فيه ، وبعد أن ترجل السائق أيضاً ليلحق بالأطفال والركاب .
رحت أخلع ملابسي بسرعة وضعتها فوق الكومة الكبيرة للملابس ، حيث جلس إلى جانبها بعض الركاب من كبار السن وكأنهم يحرسون الملابس ، بينما كانوا يراقبون الأطفال بسعادة وسرور .
لم تلبث العدوى أن امتدت إلى ” الحاج موسى ” .. إذ اندفع الرجل ناحية مياه البحر الفيروزية وقد استبدت به النشوة الطاغية ، وتأثير المرح واللهو الطفولي البريء ، فخلع ملابسه بسرعة ، ثم اندفع ناحية المياه .
في نفس تلك اللحظة ، اندفع نحوه الأطفال بسعادة وحبور ، راحوا يرشقونه بالمياه، وبرمال الشاطئ الذهبية ، فيشاركهم ” الحاج موسى ” اللهو البريء واللعب ، فيرشقهم بالمياه .. يمازحهم .. يلاعبهم .. ويشاركهم فرحة اللهو الطفولي البريء .. فيتمادى الأطفال في لهوهم .. ويقوموا بالوثوب إلى ظهر الرجل .. صدره .. وذراعيه .. فيحمل هذا على كتفه .. وذاك على ظهره .. وثالث بين يديه .. بينما راح رابع ( يتشعلق ) به .. فيرتفع الصراخ .. وتجلجل الضحكات المدوية ..
طال الوقت .. والجميع في سعادة ومرح ولهو .. حتى شعر الرجل العجوز بالتعب والإرهاق .. ، فخرج من بين أمواج البحر إلى الشاطئ .. والأطفال ما زالوا يطاردونه ويلاحقونه ويحاولون التعلق به من كل جانب .. حتى وصل الرمال الذهبية .. فألقى بنفسه إليها متهالكا .. ولكن الأطفال لم يحاولوا الانفضاض من حوله .. بل تحلقوا من حوله وهم يصفقون ويهللون ويغنون .. مطالبين الرجل ببعض الغناء ..
والحال كذلك ، لم يسعه سوى الانصياع لطلباتهم .. راح يحاول الغناء .. شاركه الأطفال الأمر .. وراحوا يدورون ويرقصون من حوله .
نهض الرجل من مكانه بصعوبة .. ساعده الأطفال على النهوض .. أمسكوا بكلتا يديه من كل ناحية .. حتى تمكن من النهوض أخيراً ..
توجه الرجل ناحية ” بئر مياه ” بدائي على الشاطئ ، قام بانتشال بعض المياه العذبة من البئر بمساعدة بعض الأطفال ، تراكضوا من حوله كل يحاول أن يكون له السبق في الحصول على المياه العذبة ليزيل بها آثار مياه البحر المالحة عند جسده .. قام بإلقاء المياه على أجسادهم بشكل بهلواني .. طالت المأمورية كثيراً .. فالمشكلة أكبر مما كان يعتقد الرجل ، فمن حصل على بعض المياه العذبة على جسده .. لم يكتف بذلك .. بل عاد مرة أخرى ليطالب بالمزيد .. والمزيد ..
فلما انتهت المأمورية بصعوبة …وبمساعدة وتدخل بعض العقلاء وكبار السن من ركاب ” الباص ” .. راح الرجل يصب على جسده بعض ” الجرادل ” من المياه العذبة التي انتشلها من البئر بمساعدة بعض الأطفال ، ليزيل آثار ملوحة مياه البحر .
سارع الجميع إلى ارتداء ملابسهم ، وكذلك فعلت بدوري ، وكذلك فعل ” الحاج موسى ” .
تحرك ” باص الحاج موسى ” مرة أخرى ، بعد أن صعد الجميع إليه ، وبدأت الرحلة من جديد ..

شاهد أيضاً

قصة قصيرة بعنوان (عرس الزين) للروائي القاص سليم عيشان

قصة قصيرة بعنوان (عرس الزين) للروائي القاص سليم عيشان

( عرس الزين ) قصة قصيرة بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة ) ==================== …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثالث) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “ ( الجزء الثالث ) … والأخير ++++++++++++++++++++ بعد أن أخذ …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان "علاونه"

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “ ( الجزء الأول ) بقلم / سليم عوض عيشان ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *