الرئيسية / قصص قصيرة / قصة باص الحاج موسى (الجزء الثالث) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثالث) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “
( الجزء الثالث ) … والأخير
++++++++++++++++++++
بعد أن أخذ ” الباص ” يتهادى في طريقه لاستئناف الرحلة .. توقف للحظات لصعود بعض الركاب من منطقة ” الشيخ عجلين ” المشهورة بزراعة العنب والتين .. والخضروات على مختلف أنواعها وأشكالها ..
صعد إلى ” الباص ” بعض المزارعين الذين كانوا يحملون الفواكه والخضار لبيعها في المدينة .. بعضهم أنقد السائق بعض النقود أجرة نقلهم .. والبعض أنقدوه الأجرة شيئاً من العنب .. وبعضاً من التين .. والبعض أنقدوه شيئاً من الخضار الطازجة ..
” الحاج موسى ” بدوره لم يستأثر بتناول كل هذه الفواكه والخضار وحيداً ، بل راح يوزعها على الركاب وخاصة الصبية والأطفال منهم .. ثم راح يتناول بعضها بتلذذ وتمهل..
أكثر ما استرعى انتباهي .. هي طريقة تناول الرجل ” الحاج موسى ” لشيء من ” الخس ” .. فلقد أخذ الرجل في قطع ورقة تلو الأخرى من أوراق ” الخس ” بتؤدة وتمهل .. يتناولها بنهم وتلذذ .. بعد أن يكون قد ” غمسها ” ببعض الماء الذي تحتويه آنية مـتوسطة الحجم .. وضعها إلى جانبه .. ووضع فيها شيئاً من الماء .
أخيراً .. أخيراً جداً .. وصل بنا ” باص الحاج موسى ” إلى قلب المدينة .. مدينة غزة .. وذلك بالطبع بعد أن قام بإرجاع ” فرش العجين ” إلى المنزل ، الذي نضج في المخبز .. وأصبح ” فرش خبز “.
وبعد أن قام بالتهام رغيف من الخبز الساخن وقد وضع بداخله بعض ” الدقة ” الغزاوية اللذيذة ..وبعد أن وزع على الأطفال من جديد رغيف آخر المحشو ” بالدقة ” .
وبعد أن أدركتنا صلاة الظهر ، فقمنا بالصلاة جماعة على قارعة الطريق ، وقد أَمَ فينا ” الحاج موسى ” للصلاة ، وبعد أن أدركتنا صلاة العصر فيما بعد في مكان آخر ، فقام ” الحاج موسى ” بالإمامة فينا بالصلاة أيضاً .
قام الجميع بالترجل من ” الباص ” .. وقام ” الحاج موسى ” بوضع ” الباص ” في الكراج .. كراج الشركة ..” شركة باصات غزة والقرى الجنوبية المحدودة ” وهي المعروفة باسم ( شركة باصات أبو رمضان ) … معلناً نهاية يوم طويل حافل ..
ويبدو أن ” الحاج موسى ” قد احتاط لمثل هذه الأمور .. حيث أنه لا يستطيع العودة لمنزله البعيد بأي حال من الأحوال .. ولكن يبدو بأنه قد ذهب لمنزل أحد أبنائه أو بناته الذين كانوا يسكنون وسط المدينة .. قريباً من مقر شركة الباصات .
سرت بعد ذلك على الأقدام لبعض الوقت .. وصلت حيث أريد ، فطرقت باب الشركة التي يعمل والدي – رحمه الله – .. طرقت الباب عدة طرقات ، وأخيراً .. أطل عليّ الحارس من أحد النوافذ الجانبية لمقر الشركة يستفسر عن الطارق ، فأخبرته بأنني قد أحضرت طعام الغداء لوالدي .. أخبرني الحارس بأن الجميع قد غادروا الشركة منذ وقت طويل .. وذلك بعد انتهاء يوم العمل ..
* * *
… وتوالت الأيام .. وانقضت ساعات وأيام السعادة بسرعة غريبة ..
… وكانت سنة النكسة .. سنة 1967 .. وانتهت أحلام الأطفال .. والرجال والنساء والشيوخ .. عندما استولت قوات الاحتلال الصهيونية على غزة .. والقطاع بكامله .. فتلاشت الابتسامات على الشفاه .. وماتت الفرحة في القلوب ..
لم أنس تلك الذكريات الطفولية البريئة الرائعة .. أعود بذاكرتي إلى ذكريات تلك الأيام الحلوة .. الجميلة .. الأيام السعيدة التي كنت أحياها .. ويحياها الأطفال .. وتحياها غزة قبل الاحتلال اللعين .
عرفت فيما بعد بأن ” الحاج موسى ” قد نزح من غزة إلى الأردن بعد الاحتلال الصهيوني لغزة بوقت قصير .. وأكد الكثيرون بأن ” الحاج موسى ” لم ينزح وحيداً إلى الأردن .. بل .. نزح معه .. ” باص الحاج موسى التليد ” .
* * *
عندما أتيحت لي الفرصة لزيارة عمان / الأردن في منتصف السبعينات ، كان ” باص الحاج موسى ” ما زال يسيطر على كل حواسي .. بذكرياته الحلوة .. الجميلة .. وبذكريات صاحبه الرائع ” الحاج موسى ” .
قبل أن أنهي مأموريتي الاجتماعية التي ذهبت من أجلها في عمان .. رحت أبحث عن الرجل .. عن ” الحاج موسى ” .. سألت الكثير من القوم هناك .. السائقين .. أصحاب مكاتب السيارات وشركات الباصات .. لم يعرفه أحد .. ولم يسمع عنه أحد ..
زرت مكتب باصات في أحد الشوارع الجانبية من شوارع عمان العاصمة .. سألت صاحب المكتب عن الرجل .. عن ” الحاج موسى ” .. وعن ” باص الحاج موسى ” .. فاجأني الرجل .. أسعدني .. أسرني .. أبهجني . قال لي بأنه يعرفه .. بل ويعرفه جيداً .. ويعرف ” باصه ” أيضاً جيداً .. ازدادت شعلة السعادة والفرح في نفسي وقلبي .. عندما أعلمني الرجل بأن ” الحاج موسى ” يعمل لديه .. في مكتبه . مع ” باص الحاج موسى ” .
يا ألله .. ما أعظمها من مفاجأة حقاً .. ما أروعها .. ما أعذبها .. وما أحلاها .!!!
فها هو القدر يجود عليّ بلقاء الرجل و ” باصه ” بعد تلك المدة الطويلة .. وبعد تلك الذكريات البعيدة البعيدة ..
أجلسني صاحب المكتب إلى جانبه ..أحضر لي شيئاً من الشاي والقهوة.. والمشروبات الغازية الباردة إمعاناً في الكرم بعد أن عرف بأنني ضيف على الأردن .. قادم من غزة .. أخبرني بأن ” الحاج موسى ” سوف يصل بعد قليل.
.. وبعد لحظات .. كان صاحب المكتب يهتف جذلاً :
– ها هو ” باص الحاج موسى ” قد وصل !!!
قفز قلبي من بين ضلوعي … خفق بشدة .. فالسعادة الطاغية تغمرني حتى النخاع .. فها أنا سوف ألتقي بالرجل .. صاحب الذكريات … صاحب الابتسامة العريضة .. صاحب البراءة والقلب الطيب ..
نهضت من مكاني بقوة غريبة .. خرجت من المكتب إلى الطريق مهرولاً .. بل راكضاً …
أريد أن أمتع ناظريّ من جديد برؤية ” باص الحاج موسى ” !! .. وصل ” الباص ” .. كان ” باص ” من النوع الحديث .. الطراز الحديث .. أشار صاحب المكتب بإصبعه ناحية ” الباص ” هاتفاً بابتسامة عريضة :
– ها هو يا سيدي “باص الحاج موسى ” !!!
شدهت .. تلاشت الابتسامة عن وجهي بالتدريج .. حل مكانها مليون علامة استفهام .. ومثلها من علامات التعجب .. تمتمت في نفسي بما يشبه الهمس :
” هذا الباص حديث .. حديث جداً .. و ” باص الحاج موسى ” قديم .. قديم جداً .. أم تراه قد استبدل ذلك ” الباص ” القديم بهذا ” الباص” الحديث ؟؟!!
أفقت من شرودي .. من أفكاري … على صوت صاحب المكتب وهو يندفع متأبطاً ذراعي ليقودني ناحية ” الباص ” .. ناحية السائق الذي بدأ بالترجل من ” الباص ” .. هتف صاحب المكتب بابتسامته العريضة الغريبة :
– .. وها هو ” الحاج موسى ” ..
نظرت إلى الرجل .. سحابة كثيفة غطت عينايّ .. لم أعد أستطع الرؤيا بشكل جيد .. غمامة كثيفة من الدموع انضمت للسحابة السابقة .. فلم أعد أرَ .. لم أعد أتبين الأشياء .. لم أعد أعي ما يدور حولي …
أصبت بالدوار .. بالغثيان .. شعرت بالتمايل والترنح .. وقبل أن أسقط على الأرض .. كنت أتمتم بما يشبه الهمس :
” لا .. ليس هذا ” باص الحاج موسى ” .. لا .. ليس هذا هو ” الحاج موسى ” .
وقبل أن أغيب عن الوعي بشكل تام .. كان صوت صاحب المكتب يهدر مجلجلاً :
– أدركوني بشيء المياه … أو الكولونيا … فيبدو بأن الرجل قد أغميّ عليه ؟؟!!
((انتهى النص .. ولم ينته البحث عن ” باص الحاج موسى ” …..

شاهد أيضاً

قصة قصيرة بعنوان (عرس الزين) للروائي القاص سليم عيشان

قصة قصيرة بعنوان (عرس الزين) للروائي القاص سليم عيشان

( عرس الزين ) قصة قصيرة بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة ) ==================== …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثاني) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

قصة قصيرة ” باص الحاج موسى “ ( الجزء الثاني ) ………………… ” الحاج موسى …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان "علاونه"

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “ ( الجزء الأول ) بقلم / سليم عوض عيشان ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *