الرئيسية / قصص قصيرة / قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

قصة باص الحاج موسى (الجزء الأول) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “
( الجزء الأول )
تنويه :
أحداث وشخوص النص حقيقية … حدثت على أرض الواقع … ولا فضل للكاتب على النص اللهم سوى الصياغة الأدبية فحسب .
مقدمة :
الكثير من الأخوة والأخوات .. الأصدقاء والصديقات .. الكرام .. عاتبوني برقة / بشدة .. على أن كل نصوصي السابقة كان ( سوداوية ) … ( نكدية ) …
وطلبوا مني تغيير ( النغمة ) تلك .. وأن استبدلها بـ ” نغمة ” أخرى … رقيقة .. مفرحة .. بعيدا عن المشاهد الدموية …
ولما كنت لا أملك زمام أمري … وقد ملكه الأحبة الغوالي .. أبنائي وبناتي … فلقد وجدت أنه لزاماً عليّ أن أرضخ لطلباتهم ( أوامرهم ) تلك .. صاغرًا …
وها أنا أبدأ ( بعون الله تعالي ) .. نصوصي .. المضحكة .. المفرحة .. وهي التي من نوع ” الفانتازيا ” .. والتي لم أقصد من ورائها أي بعد سياسي بالمطلق .. فهي نصوص اجتماعية بحتة .. ( اللهم إلا إذا رأي القارئ / المتلقي ) غير ذلك .
( الكاتب ) .
======================
” باص الحاج موسى “
( الجزء الأول )
” باص الحاج موسى ” علامة مميزة من علامات مدينة غزة الحبيبة خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي ..
مَن في مدينة غزة لا يعرف ” الحاج موسى ” ؟؟ .. ومن في غزة لا يعرف ” باص الحاج موسى ” ؟؟ .
الجميع بلا استثناء يعرفونه .. بل ويعرفونه حق المعرفة ، لا لشيء ؛ إلا لأنه كان علامة مميزة من علامات العصر الغزيّ وقتئذ . وأيضاً لأن الرجل ” الحاج موسى ” و ” باصه ” التليد يُعدان من الأمور والأشياء المحببة إلى النفوس ، والتي تدخل الحبور والسرور إلى قلوب الصغار والكبار بلا استثناء .
” الحاج موسى ” نزح ضمن قافلة النازحين من الوطن السليب بعد طردهم وتقتيلهم وتذبيحهم من قبل العدو الغاشم في عام النكبة سنة 1948 .
لم ينزح الرجل من مدينته العريقة الرائعة .. عروس المتوسط ” يافا ” .. لم ينزح من يافا إلى غزة وحيداً .. بل نزح معه ” الباص ” التليد .
قال البعض ، بأن الرجل ” الحاج موسى ” أبى أن يترك ” الباص ” الذي كان يعمل عليه كسائق في يافا .. أبى أن يتركه غنيمة للصهاينة المحتلين ، وآثر إلا أن ينقذه من بين أيديهم ويفر به كما فر بروحه ونفسه مع الفارين .. من يافا على غزة .
قال آخرون ، بأن الرجل قد قام بتحميل ” الباص ” بمجموعة كبيرة من أهل المدينة الذين كانوا يهيمون على وجوههم في أزقة وشوارع المدينة وعلى الطرقات الجانبية بعد استيلاء العدو الغاشم على المدينة وبعد أن قام العدو بتقتيل أطفالها ونسائها ورجالها وارتكاب الفظائع التي يندى لها جبين الإنسانية .
الرجل قام بتحميل ” الباص ” بالأعداد الغفيرة من أهل المدينة دون أن يتقاضى منهم أي أجر على الإطلاق رغم طول المسافة بين مدينة يافا وغزة وخطورة المرور على الطرقات الرئيسة التي استولى عليها العدو ، مما كان يضطر ” الحاج موسى ” لأن يسلك دروباً وطرقات جانبية والتفافية غير ممهدة تجنباً للوقوع في المصائد العديدة للعدو .
يقول البعض ، بأن الرجل ” الحاج موسى ” كان يعمل في ” شركة باصات بامية ” التي كانت تسير خطوطها في شتى أرجاء فلسطين قبل النكبة … وأن ” الحاج موسى ” كان أحد السائقين المهرة في الشركة ، وهو الذي لم يرتكب أية مخالفة مرور على الإطلاق طوال السنوات الطوال لعمله ، مما استدعى أن تقوم الشركة بإهداء ذلك ” الباص ” المتواضع للرجل مكافأة له على خدماته الجليلة ، وهدية له كونه السائق المثالي في الشركة ، فأصبح ” الباص ” ملكاً خالصاً للرجل بعد ذلك .. ومنذ ذلك اليوم البعيد .. أصبح الجميع يطلقون على ” الباص ” لقب .. ” باص الحاج موسى ” .
وفي كل الأحوال والحالات .. كان ” الباص ” من النوع المتواضع جداً … والموديل القديم جداً …
تعرفت على الرجل ” الحاج موسى ” .. وعلى ” باص الحاج موسى ” بعد ذلك بكثير .. في أواسط ونهاية الخمسينات من القرن الماضي على وجه التقريب .
” الباص ” ..كان يعمل على كل الخطوط بلا استثناء ؟؟!! ، داخل مدينة غزة وضواحيها .. وقد كان أول عهدي به عندما كنت طفلاً في العاشرة من عمري .
ركبت ” باص الحاج موسى ” أول مرة للذهاب بطعام الغذاء لوالدي – رحمه الله – والذي كان يعمل في شركة دخان محلية وسط مدينة غزة .. ” شركة سيسالم للدخان والتمباك ” .
وسائل المواصلات في حينه كانت شحيحة .. بل هي شحيحة للغاية .. وكانت تعد على أصابع اليد الواحدة .. أو كلتا اليدين في أحسن الأحوال .
انتظرت على قارعة الطريق مرور أي سيارة لنقلي من مكان سكناي .. إلى مكان عمل والدي وسط المدينة .. انتظرت طويلاً بلا جدوى .. وأخيراً وصل عن بعد – ما عرفت اسمه فيما بعد – .. ” باص الحاج موسى ” .. وكان هذا هو أول عهدي بـ ” باص الحاج موسى ” وصاحبه .
صعدت إلى ” الباص ” .. استقبلني الرجل العجوز بابتسامة عريضة .. وهو يدعوني مرحباً إلى دخول ” الباص ” والجلوس في المقعد القريب منه .
لم يسألني الرجل عن الأجرة .. وشعرت بأن الواجب أن أقوم ذاتياً بدفع الأجرة حتى ولو لم يطلب الرجل مني ذلك ..
ناولته ” القرش صاغ ” الذي كنت أحمله ، تناوله الرجل .. ثم أعاد لي ” نصف قرش ” و” مليمين ” من ” الملاليم ” النحاسية .
جلست في المقعد الذي أشار إليه الرجل العجوز وقد أمسكت بقوة بآنية الطعام الذي كنت بصدد توصيله لوالدي في مكان عمله كوجبة غداء .. وبدأ ” الباص ” بالتحرك ..
التحرك كان بطيئاً للغاية .. هيئ لي بأن ” الباص ” كان عبارة عن سلحفاة كبيرة .. ولكنها سلحفاة اصطناعية من حديد ..
توقف ” الباص ” بعد فترة وجيزة لبعض الركاب الذين كانوا يقفون على قارعة الطريق ، نظر السائق نحوي وهو يبتسم ابتسامة عريضة هاتفاً :
– افتح الباب يا ولد !!
لم أدرِ أي باب ذلك الذي كان يعنيه الرجل .. وكيف أفتحه ؟؟!! .
أشار ناحية باب ” الباص ” الأمامي الذي كنت أجلس إلى جواره ، أشار ناحية ” الماسورة ” الحديدية الممتدة من جانب الباب ، استطعت أن أفهم بصعوبة ما يريده وما يعنيه الرجل ، واستطعت أن أفهم المهمة التي سيوكلها لي الرجل ، وأدركت سر طلبه مني الجلوس في المقعد القريب منه ومن الباب الأمامي ” للباص “.
وضعت إناء الطعام الذي كانت أحمله جانباً ، وقمت بسحب مقبض ” الماسورة ” الحديدة الطويلة بقوة .. فتم فتح الباب ومن ثم دخول الركاب إلى ” الباص ” .
نظر نحوي السائق ..” الحاج موسى ” بسعادة وسرور وكأنه يهنئني بنجاح المهمة الموكلة لي .. أتبع بسعادة :
– اقفل الباب يا ولد !!
قمت بمحاولة يسيرة لإرجاع مقبض الماسورة الحديدة إلى وضعها السابق .. فتم إقفال الباب !! .
تكررت الأوامر متلاحقة :
– افتح الباب يا ولد …
– اقفل الباب يا ولد …
فاستهوتني اللعبة المسلية .. وفي قرارة نفسي تمنيت أن يطول الأمر أكثر .. لكي أنعم باللعبة المسلية أكثر .. وقد كان .
نظرت إلى الناحية الأخرى من ” الباص ” .. فاسترعى انتباهي وجود طفل آخر في مثل سني تقريباً .. وهو يقوم بمهمة أخرى من مهام العمل …
مهمة الطفل الآخر كانت محصورة في التعامل مع قطعة من الحديد الرقيق ( الصاج ) وقد صنعت على شكل سهم كبير ثبت من مؤخرته في الجانب الأيسر من ” الباص ” ، بحيث يطل رأس السهم إلى الخارج من خلال النافذة الزجاجية المهشمة .
الأوامر متلاحقة من ” الحاج موسى ” للطفل الآخر الذي كان يقف إلى جانبه ..
– ارفع السهم يا ولد..
– نزل السهم يا ولد ..
فيقوم الطفل بتنفيذ الأوامر بسعادة وسرور .. مستمتعاً باللعبة المسلية .
ثمة طفل ثالث كان يقف على مقربة من السائق .. وقد أوكل إليه ” الحاج موسى ” بمهمة ثالثة ..
مهمة الطفل الثالث كانت تتمثل في تنفيذ أمر غريب وعجيب ؟؟!!
فالسائق ” الحاج موسى ” رجل عجوز .. قارب على السبعين من العمر أو ما يزيد .. ويبدو بأنه يعاني من صعوبة بتحريك القدمين .. ومشاكل في العظام والأعصاب وتصلب الشرايين .. فتفتق ذهن الرجل عن فكرة غريبة يريح بها قدميه من عناء الضغط المتوالي على ” الكوابح ” .. دعسات البنزين والبريك .. فكانت مهمة الطفل تنحصر في تنفيذ أوامر ” الحاج موسى ” في هذا المجال .. وكان السائق يصدر الأوامر للطفل بابتسامته المعهودة :
– بنزين ..
فيقوم الطفل بوضع حجر كبير على ” دعسة ” البنزين بسرعة ؟؟!!
وإذا كان الأمر الصادر من السائق :
– بريك …
فإن الطفل يقوم بنقل الحجر الكبير من مكانه السابق على ” دعسة ” البنزين إلى المكان الجديد على ” دعسة ” البريك ؟؟!! وهكذا ..
وكان الطفل الثالث يقوم بتنفيذ الأوامر المتلاحقة بسعادة وسرور .. وهو يشعر بأنه في قمة السعادة والمتعة بهذه اللعبة المسلية !! .
ومن العجيب بأن بعض الأطفال من أصحاب المهام الموكلة إليهم .. كانوا يتغاضون عن الترجل من ” الباص ” عند وصولهم إلى أماكن سكناهم أو مقاصدهم .. مفضلين الاستمتاع بمرافقة ” الحاج موسى ” ، والاستمتاع باللعبة المسلية ؟؟!! .. ثم يترجلون من ” الباص ” بعيداً عن أماكنهم التي يريدونها أو يبغونها بمسافات طويلة ؟؟!! .
إذا ما تخلى أحد الأطفال عن مهمته – مكرهاً – .. تسابقت مجموعة أخرى من الأطفال ليحلوا محله ؟؟!! . عندئذ تحدث الاشتباكات بين الأطفال ، ويبدأ التراشق بالكلام .. وقد تتطور الأمور وتؤدي في أحيان كثيرة إلى عراك بالأيدي للتنافس بالحصول على المهمة .. فيضطر ” الحاج موسى ” إلى التدخل ” لفك الاشتباك ” .. وإصلاح ذات البين بين الأطفال ، واللجوء إلى إجراء ” القرعة ” بنفسه بينهم لاختيار الطفل الذي يجب أن يقوم بإتمام المهمة ؟؟!! …

شاهد أيضاً

قصة قصيرة بعنوان (عرس الزين) للروائي القاص سليم عيشان

قصة قصيرة بعنوان (عرس الزين) للروائي القاص سليم عيشان

( عرس الزين ) قصة قصيرة بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونة ) ==================== …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثالث) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

” باص الحاج موسى “ ( الجزء الثالث ) … والأخير ++++++++++++++++++++ بعد أن أخذ …

قصة باص الحاج موسى (الجزء الثاني) الروائي سليم عوض عيشان “علاونه”

قصة قصيرة ” باص الحاج موسى “ ( الجزء الثاني ) ………………… ” الحاج موسى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *