الرئيسية / منوعات / قصة ابو الروم بقلم الروائي سليم عوض عيشان

قصة ابو الروم بقلم الروائي سليم عوض عيشان

( أبو الروم )
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )
…………………..
ولا يحلو لنا الحديث عن الماضي والذكريات للزمن الجميل وخاصة دور السبنما وخاصة سينما السامر دون ان نذكر هذه الشخصية الشعبية الرائعة ….
” أبو الروم ” شخصية شعبية فذة ، ومعلماً خالداً من معالم مدينتي ، استحوذ على قلوب الناس وتَمَلَكَ حُبه أنفسهم ..لم يكن ” أبو الروم ” فارساً مغواراً من فرسان القرون الوسطى ، أو عهود ما قبل التاريخ ، لم يكن يمتطي صهوة جواد أبيض ، أو يحمل سيفاً بتاراً يقطع به رأس ” الغول” أو” الأشكيف ” أو الثعبان الضخم صاحب الرأسين ، ولكنه كان إنساناً بسيطاً إلى أقصى درجات البساطة ، محبوباً إلى أقصى درجات المحبة ، طيباً إلى أقصى درجات الطيبة في الستين من عمره تقريباً
… استقرت شخصيته في قلوب الصغار والكبار على حد سواء ، إبان عقدين من الزمن ، طوال الخمسينات والستينات من هذا القرن..
كان الرجل قصير القامة ، نحيل الجسم ، أشعت الشعر ،مهلهل الثياب ، حافي القدمين ، يضع على رأسه ” طرطورا ” ” كالأراجوز ” ، يجر عربته اليدوية القديمة قدم الدهر نفسه ، تئن وتتألم كلما اصطدمت بقطعة خشب أو تعثرت بحجر أو وقعت في حفرة صغيرة ، فيصرخ “أبو الروم ” ينهر عربته ويحثها على التماسك كي يجرها ، وكأن بينهما لغة تفاهم خاصة … يضع في عربته برميلاً خشبياً قديماً ، يلفه بقطع من الأقمشة وأكياس الخيش الممزقة ، يلقي داخل البرميل بزجاجات المياه الغازية المتنوعة الأحجام والألوان،وقطع الثلج المتباينة، يطوف أنحاء المدينة،ويجوب طرقاتها لبيع بضاعته لمن يريد التمتع بنفحاته..
كان ينادي المشترين بطريقة غريبة ، ولعلها فريدة في شكلها ، فلكي تكتمل شخصيته الشعبية المرحة ، كان لا بد أن يمسك بيده جرس ضخم ، يطوح به ذات اليمين وذات الشمال ليصدر أصواتاً مجلجلة متواصلة ، منبها الجميع إلى وصول موكبه المهيب ، ثم لا يلبث أن يُتبعَ ذلك بنداء تقليدي ، بصوت متموج متهدج لا يفهمه أحد سواه ، ولا يجرؤ أحد أن يطلب إليه أن يترجم ما يقول ..
فلا يلبث النداء أن يرتفع من هنا وهناك:-
– هذا هو ” أبو الروم ” .. ” أبو الروم ” ..
فيهرول الرجل مسرعاً ليلبي النداء ، فيقدم لهذا زجاجة عصير ، وللآخر زجاجة مياه غازية مثلجة ، يقوم بإزالة الغطاء عنها بمهارة وحذق ، فلقد أتقن هذا الفن لطول ممارسة هذا العمل ، ولا ينسى أن يقوم بواجب نظافة ” فتحة ” الزجاجة بيده المعروقة المرتجفة فيمرر راحته المتسخة ليزيل ما على ” فتحة الزجاجة ” من أوساخ ؟ ويقدمها بحركات بهلوانية رائعة لمن يريد إطفاء لهيب الصيف القائظ ليروي ظمأه شراباً سائغاً رقراقاً ؟
لم يكن كل عمل ” أبو الروم ” هو بيع المياه الغازية المثلجة فحسب ؛ فلقد كان له شأناً آخر ، ورسالة أبعد ، وهدفاً أعظم ، فلقد كان يحمل في ركن آخر من عربته الشهيرة ، رزماً ضخمة من الإعلانات الدعائية السينمائية ، الخاصة بعرض الأفلام لدور السينما في المدينة ، يقوم بتوزيعها بهمة ونشاط هنا وهناك ، يقدمها لعابري السبيل في الطرقات ، والجالسين إلى المقاهي والمطاعم المتناثرة في الأحياء والشوارع .. ويقوم بإلصاق المجسمات منها في أماكن بارزة من أحياء المدينة وشوارعها ، فيتجمهر القوم من حوله بسعادة يتمازحون ويتندرون ، ورغم مطالعتهم للإعلان الذي يوضح برنامج السهرة لدار الخيالة ، ورغم المجسم الضخم ، وبالخط العريض والصورة الواضحة لمشهد من مشاهد الفيلم الذي سيعرض هذا المساء والذي يغطي جداراً يرتفع إلى مثلىّ قامة ” أبو الروم ” والذي تطلب جهداً عظيماً من الرجل لعمل كل ذلك إلا أن أحدهم يمازح ” أبا الروم ” بسعادة وسرور وبراءة قل لي يا ” أبا الروم ” ما هو فيلم الليلة؟
ينظر إليه ” أبو الروم ” ، يحملق فيه ، ثم ينطلق الحديث والكلام من فمه كقذائف مدفع رشاش يندفع نحوه بقوة كالصاروخ ، يحاول الإمساك به ليلقنه درساً في الأدب والذوق والأخلاق فيفر هذا من أمامه بسرعة البرق ، ليس عن خوف أو جبن أو ضعف ، ولكنها أصول اللعبة للمزاح البريء ، فينطلق ” أبو الروم ” في أثره يتعقبه تاركاً عربته وبضاعته وإعلاناته ، مهرولاً وراء الشاب ، يحرك الجرس النحاسي ذات اليمين وذات الشمال في حركة إيقاعية جميلة رائعة في أثناء عدوه، بينما يتمايل ” طرطوره ” الشهير إلى الخلف ، وإلى الأمام ، إلى اليمين والشمال فتسري في القوم رعشة عارمة من السعادة والحبور فينطلقون خلفه لتهدئته أو لإثارته ، وينطلق الأطفال خلفهم بسرور وسعادة ونشوة طاغية وهم يرددون بصوت واحد :
– ” أبو الروم ” .. ” أبو الروم ” .. ” أبو الروم ” .. وتصل السعادة ذروتها عندما يكل ” أبو الروم ” عن المتابعة ، ولا يستطيع اللحاق بالشاب فيقذف عليه الجرس النحاسي فلا يصيبه ثم يخلع ” طرطوره ” ويقذفه به أيضاً فيضج الجميع بالضحك…
“أبو الروم ” صاحبنا لم يكن متزوجاً في يوم من الأيام ، ولم يكن له ولد اسمه ” الروم ” فلقد عُرف بهذه التسمية الغريبة ، منذ كان طفلاً صغيراً في الحيّ…
حياته الخاصة كانت هادئة وبعيدة عن ضجيج المدينة وصخبها ، فلقد كان يقطن في حي هادئ ، في كوخه المتواضع الذي صنعه بيديه من صفائح قديمة وأخشاب باليه غطاها بالملصقات الضخمة من أوراق الدعاية السينمائية ، أدواته المنزلية متناهية البساطة ، لا يعيش في الكوخ وحيداً ، بل تقاسمه الحياة فيه مجموعة لا بأس بها من القطط الأليفة … عددها يتزايد ويتناقص باستمرار حسب مزاجها ومزاجه ؟ ولكنها بالتأكيد موجودة دائماً معه، ولو على سبيل الزيارة .. فعند عودته من العمل المضني في وقت متأخر من الليل يجد بعضها ممن استطاعت صبراً على الانتظار … تقف بباب الكوخ وكأنها تحرسه … فتندفع نحوه عندما تراه ، تموء برقة ، تتمسح بملابسة المتسخة بحنان بالغ ، فيربت على ظهورها ورؤوسها بيده الخشنة ثم يخرج من بين لفائفه العديدة لفافة ضخمة ، تنبعث منها رائحة بقايا اللحم ، أو بقايا الخبز والطعام الذي استطاع أن يجمعه من مخلفات دار الخياله..
وسرعان ما ينضم إلى هذه القطط مجموعة كبيرة أخرى ، كانت تنتظر الوليمة ، فتستجيب بسرعة لدعوة لم تتلقاها ، وتلتف حوله بتظاهرة رائعة ، فيقدم لها جميعاً الطعام بيده ، يداعبها ، يحادثها بصوت مسموع ، فلا تلتفت القطط إليه ، ولا تصغي لحديثه ومداعبته ، فلها في الطعام مأرب أهم وأجدى من كل حديث أو مداعبة…
بعد أحداث 1967م ، خبا نجم ” أبي الروم ” كما خبا نجم المدينة والمدن الأخرى فخيم شبح كئيب عليه وعليها ، وانزوى في كوخه ، وأصبح من الذكريات القديمة تذكر جنباً إلى جنب مع أيام السعادة والهناء…
لم يطل المقام بصاحبنا طويلاً فسرعان ما انتقل إلى بارئه بهدوء تام ضجة ، فلقد وُجد ذات صباح جثة هامدة في كوخه المتواضع ، وحوله قططه تموء بألم وحزن كأنها تبكيه وتودعه ، وكأنها تعزف له معزوفة الوداع الأخير بعد أن انفض الجميع من حوله ، لم يجد من يبكيه ، فمات وحيداً بهدوء ودفن في المقابر دون أن تصاحبه مئات السيارات الفارهة وآلاف المشيعين والمودعين، بضع أشخاص من أهل الحي قاموا بهذا الواجب بهدوء ، فلم يفعلوا ذلك سوى احتساباً لوجه الله تعالى ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *