الرئيسية / منوعات / حرف و مهن اندثرت من مدينة غزة في شهر رمضان

حرف و مهن اندثرت من مدينة غزة في شهر رمضان

حرف ومهن اندثرت من غزة
فانوس رمضان
……….
شهر رمضان له طقوسه الخاصة في غزة ابتداءً من اليوم الأول للصيام وحتى اليوم الأخير .
للكبار فيه طقوسهم الخاصة ، وللصغار رأي آخر ..
أكثر ما كان يشغل بال الأطفال ويفرحهم ويدخل السرور في أنفسهم أمران .. وقد يكون لهما ثالث .
أولهما .. ” فانوس رمضان ” .. وثانيهما صوت المؤذن وهو يعلن انتهاء يوم صيام طويل نسبياً بالنسبة للأطفال .. أما ثالثهما فهو ” المسحراتي ” .
” فانوس رمضان ” لم يكن بمثل هذه المواصفات التي هو عليها الآن .. من حيث الفخامة وجميل الصنعة وجمال الشكل واستعمال وسائل التقنية الحديثة .
فلقد كان ” فانوس رمضان ” يصنع من ” الصاج ” القديم .. أو من بقايا ” التنك ” الذي نبذه أصحاب الحرف وألقوا به بعيداً كـ ” خردة ” لا لزوم ولا قيمة لها .
الأطفال كانوا يسيرون بعد آذان المغرب .. وبعد تناول طعام الإفطار ، كانوا يسيرون زرافاً وليس وحداناً .. وهم يحملون ” الفوانيس ” المتواضعة.. بدائية الصنع ، وهم ينشدون ويرددون الأناشيد والأغاني والأهازيج … و ” وحوي يا وحوي .. ” .
فيدورون على البيوت .. يطرقون الأبواب ويطلبون ( الحلوان ) من أصحابها بما تجود به أنفسهم من طعام أو حلوى .. أو ما تيسر من أمور أخرى ..
السكان بدورهم .. كانوا يسعدون بمثل هذا المشهد الطفولي البريء .. الذي يضفي بهجة وسروراً في قلوب الجميع …فيقدمون لهم ما تجود به أنفسهم وما تيسر لديهم من أطعمة وأشياء .. وبعض النقود في بعض الأحيان .
إذا ما انتصف الليل أو بعد ذلك بساعتين من الوقت .. كان لـ ” المسحراتي ” دور آخر .. ذلك بعد أن يكون قد هجع الجميع وركنوا إلى النوم ، وبعد أن يكون الأطفال قد أصبحوا ” يأكلون أرزاً مع الملائكة ” .. وذلك بعد صيام يوم طويل .. ونشاط مسائي لا بأس به .
” للمسحراتي ” طقوسه الخاصة .. أنغامه الخاصة .. تقاليده الخاصة .. و ” نقراته ” الخاصة على طبله الكبير الذي كان يقرعه بين الفينة والأخرى لإيقاظ النيام لتناول طعام السحور استعداداً لصيام يوم جديد .
تلك ” النقرات ” كان لها وقع مميز في نفوس الأطفال .. وكم كان الكثير منهم يتوقون لرؤية ” قارع الطبل الليلي ” .. ( المسحراتي ) .. وهو يقوم بمهمته الرائعة تلك .. ولقد فكر الكثير منهم ولعدة مرات أن يحققوا أهدافهم بمشاهدة الرجل المسحراتي وهو يجوب الشوارع والطرقات .. وهو يردد الأهازيح والأدعية على أنغام طبلته الجميلة .. ولكن خشيتهم من الليل والظلمة الحالكة في الخارج كانا يمنعانهم من تحقيق تلك الرغبات الملحة .
الرجال .. كان لهم رأي آخر في رمضان ولياليه ..
فما إن يتناولوا طعام الإفطار بعد صيام اليوم الطويل .. ويقومون بأداء فريضة الصلاة للمغرب .. ثم العشاء .. حتى يتهافت البعض ناحية ” الدواوين ” .. والتي يطلق عليها البعض ” المقاعد ” .. فيبدأون بالحديث النقاش حول أمور شتى ..
بعضهم كان يفضل أن يقيم الليل في المساجد – وخاصة في العشر الأواخر من رمضان – متعبداً متهجداً .. مبتهلاً إلى الله ضارعاً ..
آخرون .. كانوا يقومون بالزيارات المتعددة للأهل والأقارب والأصدقاء .. وخاصة لذوي الرحم .
أهل البر والإحسان .. كانوا دوماً يستغلون الشهر الكريم – وخاصة العشر الأواخر – بإعداد الولائم .. فيقومون بدعوة ذويهم وأصدقائهم لتناول وجبات الإفطار .. ويقومون أيضاً بدعوة الفقراء والبائسين للمشاركة بتناول الطعام .. ويقومون بتوزيع بعض الطعام على أهل البيوت المعوزة والمستورة .
في الأحياء الشعبية .. والتي يطلق عليها في كثير من الأحيان .. ” الأحياء الفقيرة ” .. وهي تلك الأحياء أياً كانت تسميتها .. التي كان لشهر رمضان .. شهر الصيام فيها طعماً مختلفاً .. ومذاقاً مختلف .
ابتداءً من لحظة بدء الصيام والإمساك عن الطعام وحتى لحظة الإفطار .. وما بعدها بساعات ..
أبرز ما يميز تلك الأحياء .. الشعبية أو الفقيرة .. هو الترابط الاجتماعي .. الألفة .. والتراحم .
لن تألوا ربة البيت جهداً في إسعاد الجيران وأطفالهم .. بقدر ما هي تسعى لإسعاد أسرتها وأطفالها .
عادة ما تقوم ربة البيت بإرسال صحن ( طبق ) من الطعام الشهيّ أو الحلوى اللذيذة .. الذي صنعته بنفسها .. ترسله مع أحد أبنائها ليوصله إلى ربة البيت في المنزل القريب .. لكي يتذوقوا ما صنعته يداها من لذيذ الطعام والحلوى .
ربة البيت الأخرى .. وبدورها .. وبطبيعة الحال .. لا تعيد الصحن ” الطبق ” فارغاً .. فتلجأ إلى ملئه بما تيسر لديها من طعام أو حلوى صنعتها بدورها في ذلك اليوم .. وقد يتصادف أن يلتقي طفلان وهما يحملان أطباق الطعام المتبادلة ليوصل كلاً منهما طبق الطعام إلى منزل الآخر .. وقد تبلغ المصادفة أقصاها عندما يكون ما في الصحنين ” الطبقين ” من نفس نوعية الطعام المتشابه ؟؟!! .
موائد الإفطار الجماعية .. كانت إحدى علامات الأحياء الشعبية أو الفقيرة .. حيث يجتمع في مكان متسع معظم رجال وشباب وأطفال الحيّ ( الشارع أو الزقاق ) … من الصائمين .. وقد أحضر كلاً منهم معه ما تيسر وجوده في منزله من طعام أو حلوى .. ثم يضعوا الأطباق والأشياء الأخرى متقاربة .. ويلتفوا حولها في انتظار انطلاق صوت المؤذن معلناً نهاية يوم صيام طويل .. فيبدأ الجميع بتناول الطعام من الأطباق المتراصة على المائدة الكبيرة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *