الرئيسية / السيرة الذاتية للروائي / السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (12)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (12)

” السيرة الذاتية “
للروائي القاص
سليم عوض عيشان ( علاونة )
==========================
” الفصل التاسع “
( السيد هاشم )
” السيد هاشم ” كان له يوم عيد معين من أيام السنة .. كما وأن له عيد أسبوعي أيضاً .
” السيد هاشم ” .. هو جد الرسول ” صل الله عليه وسلم ” والذي توفي أثناء إحدى رحلات ” الصيف والشتاء ” التي كان يقوم بها للتجارة بين الشام ومكة ؛ وكان من البديهي ؛ بل من الضروري والمحتم أن يمر أثناء رحلاته تلك عبر ” غزة ” وقد توفي ” هاشم بن عبد مناف ” في إحدى رحلات ” الصيف والشتاء ” تلك أثناء مروره على غزة ودفن فيها ، وأقيم حول ضريحه مسجد سمي باسمه ” مسجد السيد هاشم ” … وسميت ” غزة ” فيما بعد بـ ” غزة هاشم ” .
.. الكتل البشرية المتراصة تتدافع كأمواج البحر المتلاطمة المتلاحقة .. الأمواج البشرية تبدأ بالتدافع منذ الصباح الباكر .. وفي مثل هذا اليوم من كل أسبوع .. ونفس التوقيت .
قل أن تجد من بين المتدافعات رجل واحد .. فهن بالكلية من النساء ..متباينات الأعمار والأزياء … فمنهن العجوز .. الطفلة .. الصبية .. المرأة الناضجة والفتاة اليافعة ..
بعضهن يصطحبن الأطفال من كلا الجنسين .. وبعضهن يتكئن على أكتاف من هن أقوى وأكثر صغراً منهن في السن .
أزياءهن متباينة الأشكال والألوان .. فمنهن من كانت ترتدي الخمار من عدة طبقات قد تصل إلى السبع .. وقد تكتفي أخريات بثلاث طبقات .. وهن في الغالب من العجائز وكبار السن .
بعضهن يضعن ” الإيشارب ” .. أو المنديل على رؤوسهن ويرتدين الملابس التقليدية ، وأخريات بأزيائهن ” الفلاحي ” متباينة الزركشة والتطريز … وأخريات بـ ” الثوب ” المميز .
بعضهن حاسرات الرؤوس .. يرتدين الأزياء الحديثة ( المودرن ) وهن في الغالب من الفتيات الصغار واللواتي لم يتعدين مرحلة الطفولة بعد .. أو ما بعدها بقليل .
في الأغلب .. فإن معظمهن كن يحملن الأشياء والأشياء في أيديهن في لفائف ورقية أو قماشية أو داخل أكياس من القماش و ( الخيش ) متباينة الأشكال والألوان والأحجام .
.. الكثير من ” الغزيين ” .. أي أهل غزة ، كانوا يحتفلون دوماً بـ ” السيد هاشم ” ويقدمون له النذور من الشموع والكساء والأشياء الأخرى .. وذلك في يوم ” السيد هاشم ” وكذلك في احتفال أسبوعي دوري .. يوم الجمعة من كل أسبوع قبل صلاة الجمعة .. وهو يوم يختلط فيه ” الحابل بالنابل ” .. الزوار .. الباعة المتجولين .. المتفرجين .. الشحاذين .. السارقين .. المهرجين .. الرجال والنساء .. الأطفال والشيوخ .. الصبايا والعجائز .. الصراخ والنداء .. والضجيج .
( كان يوم الجمعة في العادة يقسم إلى قسمين .. القسم الصباحي وهو مخصص للنساء فحسب ” داخل المسجد ” والقسم القريب من موعد صلاة الجمعة مخصص للرجال فحسب لصلاة الجمعة )
صحن المسجد يغص بالزوار من كل الفئات العمرية للنساء .. هذه تتبرك بالتمسح بنافذة أو باب الحجرة التي دفن فيها ” السيد هاشم ” ؛ تتوسل إليه أن يرسل لها العريس المناسب – أو حتى الغير مناسب – بعد أن طال بها أمر ” العنوسة ” كثيراً .. وتلك تذرف الدموع الغزيرة مدراراً توصي وتطلب من ” السيد هاشم ” أن يمنحها بركته بأن يهبها الله طفلاً بعد أن استعصى عليها أمر الحمل ” الحبل ” رغم زواجها منذ عشرات السنين .. ثالثة تنذر له الهدايا والعطايا والشموع والبخور إن هو منحها بركته بإبقاء طفلها الوليد على قيد الحياة بعد أن فقدت عدة أطفال سابقين بالموت وبشكل غريب وغامض ؟؟!!.. وثمة امرأة رابعة تتضرع وتتمسح .. تبكي وتتباكى .. تسأل ” السيد هاشم ” بصوت تخنقه العبرات ان يعيد لها زوجها الذي هجرها منذ سنوات وسنوات ولم يعد ؟؟!! .. وخامسة تحمل عدة شموع وأقمشة وتلقيها إلى داخل الحجرة التي يرقد فيها جثمان ” السيد هاشم ” موفية بنذر ووعد سابق .. وسادسة .. وسابعة .. وعاشرة ..
هذا ما كان يحدث داخل المسجد ؛ أما خارجه فقد كان عالماً آخر قائما بذاته .. فثمة مجموعة كبيرة من الباعة الجائلين المنتشرين هنا وهناك وهم يزاحمون الجميع المكان .
.. فمن بائع ” الفلافل ” ؛ إلى بائع ” الكعك ” ؛ إلى بائع ” النمورة ” ( البسبوسة ) ؛ إلى بائع ” البوظة ” و ” البراد ” إلى بائع ” الترمس ” والبزر ( اللب ) والفستق ( الفول السوداني ).
بعض الباعة كانوا يرفعون أصواتهم بشكل مدوٍ ليزداد الصخب والضوضاء في المكان .. وهم يعلنون عن بضائعهم المختلفة من ألعاب وأدوات زينة مختلفة .
ثمة بائع ” شعر البنات ” .. وآخر يبيع الأشكال المختلفة المصنوعة من السكر والتي هي على شكل الجمل أو الحصان ، الديك أو الدجاجة ، السمكة أو الفراشة .. وثمة بائع ” السمسمية ” وحلاوة جوز الهند والحلاوة القرعية و ” الجزرية ” .. وبائع آخر للمكسرات .
جمع النساء الحاشد يتدافع نحو البوابة الرئيسة للمكان .. هذه تدفع تلك .. وأخرى ترفع عقيرتها بالصراخ .. وثالثة تصرخ وتولول وهي تنادي على طفلها الذي ضاع وسط الزحام .. تماماً مثلما ضاع صوتها بين الأصوات والضوضاء .
ثمة شيخ جليل صاحب لحية بيضاء طويلة .. يقف في إحدى الزوايا وقد أخذ بتسويق بضاعته من العطور والبخور ، الشموع والمسابح ، وسجاجيد الصلاة .
لا يلبث أن يشق الفضاء صوت آخر مدوٍ مجلجل وهو يغطي على كل الأصوات مردداً :
” حيّ … وحدوا الله ” .
صاحب الصوت المدوي ذو هيئة غريبة ؛ أقرب ما يكون إلى العمالقة طولاً وعرضاً؛ ذو لحية كثة غير مرتبة ؛ يضع على رأسه قبعة غريبة ؛ يرتدي زياً غريباً ؛ يحمل في يده ” مبخرة ” ضخمة .. يضع فيها بين الفينة والأخرى شيئاً من البخور وسط النيران .. يطوح بالمبخرة ذات اليمين وذات الشمال .. مردداً بين لحظة وأخرى النداء المجلجل من جديد بصوته الجهوري :
” … حيّ … وحدوا الله ” .
الكل له شأنه الخاص الذي يلهيه عن الآخرين وعما يدور من حوله .. فهذا ينادي بأعلى صوته معلناً عن وجود أجواد أنواع ” الفول النابت ” والترمس ” والذي يدلله بتسميته ” لوز يا ترمس ” ؟؟!! وبشتى الأوصاف والألقاب .
وذاك يستعمل ” مكبراً للصوت ” يئز ويئن ويصدر أصواتاً نشاز وهو يعلن عن وجود أجود و ” أزكى ” أنواع المكسرات المختلفة ؛ كالبزر ( بزر البطيخ وبزر القرع وبزر دوار الشمس ) والفستق ( الفول السوداني ) واللوز والقضامة ( الحمص الجاف المحمص – ومنها القضامة الحلوة ” المغبرة ” .. و القضامة المحالحة ) وثالث ينادي بصوته الجهوري الأجش على ما يقوم ببيعه من أطعمة شعبية ” فول وفلافل وحمص وطراشي وساندوتشات مختلفة وبيض ملون ” .
ورابع يقوم بحركات بهلوانية تشبه ” الأكروبات ” وهو يقدم للزبائن ما يطلبونه من الحلويات محلية الصنع من ” نمورة ” و ” كنافة ” و” بقلاوة ” و ” عوامه ” و ” لقمة القاضي ” .. و ” أصابع زينب ” و” غريبة ” .. و ” معمول ” .
وخامس يعرض ما لديه بمهارة من حلويات مصنوعة من السكر والسمسم ؛ أو السكر والفستق ؛ أو السكر وجوز الهند ؛ أو ” الحلقوم ” أو ” الملبس ” أو ” الحامض حلو ” .
وسادس يبيع الألعاب المختلفة والبالونات و ” الكرات ” المختلفة الأشكال والألوان .
وسابع يبيع الملابس الجديدة وإلى جانبه كومة أخرى من الملابس القديمة المستعملة والتي هي بحالة جيدة .
وثامن يبيع المشروبات الشعبية المثلجة ؛ من ” خروب ” و ” عرق سوس ” وشراب ملون بمختلف الأشكال والأ لوان .
وتاسع يقوم ببيع المشروبات الساخنة؛ ” الشاي ” و ” القهوة ” و ” اليانسون ” و ” القرفة ” و ” الحلبة ” ومختلف أنواع المشروبات الساخنة .
وفي نهاية الزقاق أحضر آخر ” أرجوحة ” دوارة أقبل عليها الأطفال للهو والمرح .
وثمة خيمة كبيرة في ركن آخر ؛ يقوم بعض المهرجين بتقديم استعراضاتهم المتواضعة من حركات السيرك والسحر والشعوذة مقابل مبالغ رمزية يدفعها الرواد الذين كانوا يجلسون على مقاعد شعبية متواضعة ..
… وثمة رجل يرتدي ملابس غريبة يبتسم ابتسامة عريضة وهو يهتف :
” اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد …. اتفرج يا سلام ” …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف أبو زيد الهلالي سلامه فارس الفوارس …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف الزير سالم إيش بيعمل …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف عنترة ابن شداد وعبله حبيبته …
وما أروع تلك الكلمات .. وما أجمل هذه العبارات التي كانت تشلف آذان الصبية والأطفال .. فيركضون وراء الرجل الذي يحمل ” صندوق العجب ” على ظهره وكتفيه .. ويحمل بعض المقاعد الخشبية المتآكلة بين يديه .. فيطاردونه وهم يحملون ( الملاليم ) .. أو ” أرغفة الخبر ” … أو ” بيض الدجاج ” … لكي يدفعونها للرجل صاحب ” صندوق العجب ” أجراً للمشاهدة الممتعة … فما يكادوا أن يصلوا إلى مكان تواجده.. وبعد أن يقفوا طويلا في الطابور الطويل للصبية والأطفال المنتظرين … حتى يجلسهم الرجل على بعض المقاعد الخشبية القديمة المتآكلة .. ( وهذا بالطبع بعد أن ينقدونه ما يحملون من أشياء ( نقدية أو عينية ) .. فيجلسهم الرجل أمام ( صندوق العجب ) خاصته .. ثم يقف وراء الصندوق الساحر العجيب .. ويطلب منهم أن يضعوا أعينهم على تلك الفتحات الضيقة التي وضعت عليها (مرآة مكبرة قديمة عفا عليها الزمن) .. فينصاع الأطفال لأوامره بسعادة وفرح وابتسامات تصل بهم إلى مرتبة الضحك المدوي البريء … فيبدأ الرجل بتشغيل وعرض تلك ( الصور البدائية ) .. للأبطال والفرسان من الزمن الغابر .. ( وهي صور ورقية رصت إلى جانب بعضها البعض وتم لصقها ببعضها .. وقد ثبتت إلى قطعتين من الخشب إسطوانتي الشكل يقوم بلف الصور على كل منهما بالتناوب ) بينما يقوم الرجل بترديد عباراته المشهورة بلا كلل ولا ملل مصاحباً للصور التي تمر تترا من أمام أعين الأطفال ..:
… ” اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد …. اتفرج يا سلام ” …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف أبو زيد الهلالي سلامه فارس الفوارس …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف الزير سالم إيش بيعمل …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف عنترة ابن شداد وعبله حبيبته …
فيصفق الأطفال لأبي زيد الهلالي سلامة عندما يقطع رقاب الأعداء بسيفه البتار …. ويزغردون لعنترة ابن شداد العبسي عندما يحرر حبيبته ” عبله ” من الأسر ويعود بها سالماً غانماً .. ويهللون للزير سالم بطل الأبطال صاحب الشارب الكثيف الكث فوق شفته العليا … وتمر من أمامهم الصور الجميلة تترا … وتستبد بهم النشوة وتغمرهم السعادة الغامرة .. ويحسون وكأنهم يشاركون الأبطال في المعارك .. وفي قتل الخصوم … ويشعرون وكأنهم يعيشون تلك الحقبات الزمنية البعيدة …
فإذا ما انتهى العرض ( البدائي ) .. ارتفع صوت صاحب ” صندوق العجب ” معلنا انتهاء العرض .. طالبا من الجميع النهوض من أماكنهم لكي يتيحوا الفرصة لأطفال آخرين بالجلوس والمشاهدة … فتنقلب ابتسامات الأطفال وضحكاتهم إلى غصات ألم .. وعبوس وتجهم .. وقد يصل بهم الأمر إلى حد البكاء .. ويحاولون التشبث بالمقاعد وعدم النهوض عنها لكي يتفرجون أكثر وأكثر على صندوق العجب .. ولكن صاحب الصندوق لا يعجبه الحال فينهرهم بلطف في البداية ثم ترتفع عقيرته بالتهديد بالويل والثبور .. فيحل زناره ( حزامه ) ويلوح به في الهواء مهددا إياهم بالضرب بالزنار .. والحال كذلك .. لا يسعهم سوى النهوض بتثاقل من أماكنهم خشية أن ينفذ صاحب الصندوق التهديد بشكل فعلي وفي قلوبهم غصة ألم … ولا يسع الأطفال إلا أن يتركوا المقاعد ويفسحوا المكان للآخرين الذين كانوا يقفون في طابور طويل بالانتظار .. فيحدجون الأطفال الآخرين بالنظرات الحارقة لأنهم أفسدوا عليهم متابعة متعة المشاهدة .. فيحاولون الوقوف لبعض الوقت كمتفرجين على المتفرجين .. ثم لا يلبثوا أن يغادروا المكان بحسرة وألم وتثاقل وما زال صوت صاحب ” صندوق العجب ” يطن في أذني .. وحتى الآن ..
.. ” اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد …. اتفرج يا سلام ” …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف أبو زيد الهلالي سلامة فارس الفوارس …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف الزير سالم إيش بيعمل …
اتفرج يا سلام .. اتفرج يا ولد .. شوف عنترة ابن شداد وعبله حبيبته …
.. وفي ركن آخر ليس ببعيد .. ثمة رجل آخر ؛ ملتحً طويل القامة عريض المنكبين ذو لحية كثة يطوف على الجميع وهو يحمل ” المبخرة ” ؛ حيث يتصاعد منها الدخان الكثيف ؛ بينما كان يقوم بين الفينة والأخرى بوضع بعض ” البخور ” فتصدر أصواتاً مميزة ورائحة غريبة نفاذة ودخاناً كثيفاً بمختلف الألوان والأشكال ؛ بينما الرجل الأسمر العملاق يقوم بالصراخ بأعلى صوته : ” حيّ … حيّ … حيّ .. صلي ع النبي … حيّ .. حيّ .. حيّ .. صلوا ع النبي “
.. فلا يصلي أحد من المتواجدين على النبي .. فلكل منهم شأن يغنيه ويشغله عن الصلاة على النبيّ ؟؟!! .. فهذا يشتري .. وذاك يبيع .. وثالث يأكل .. ورابع يشرب .. وخامس يتحدث .. وسادس يضحك ويلهو … وسابع ..

شاهد أيضاً

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (8)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (8)

” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) =================… (( الفصل …

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (7)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (7)

” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) ================= * حكاية …

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (6)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (6)

(( 6 )) ” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *