الرئيسية / السيرة الذاتية للروائي / السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (11)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (11)

” السيرة الذاتية “
للروائي القاص
سليم عوض عيشان ( علاونة )
=================………
” الفصل الثامن “
( السكن الجديد )
لا زلت أذكر تلك الحجرة التي تم السكنى بها ؛ حجرة من الطين الممزوج بالتبن ” القش ” والتي يبدو جلياً بأنها قد كانت تستعمل – إلى وقت قريب – ” زريبة للحيوانات ” ، أو ” بايكة ” لإيواء البهائم ، ويبدو بأن مالكها قد قرر أن يحولها إلى حجرة ويقوم بتأجيرها ؛ لأنها سوف تدر عليه مبلغاً أكبر من تربية بعض الحيوانات أو إيواء حماره وعربته الخشبية المتهالكة .
أذكر بأن والديّ – رحمهما الله – قد ألحقاني بروضة قريبة من مكان السكنى .. وكنت قد قاربت على الثالثة من العمر .. وأذكر بأن اسمها كان : ” روضة الشيخ فرج ” .. وهي تقع في حيّ الدرج .. في الناحية الشمالية من شارع الوحدة .. شرق مدرسة الزهراء الثانوية للبنات .. ولقد حدث معي موقف في تلك الروضة لا يمكن أن أنساه ما حييت رغم صغر سني وقت الحادث.
ففي أثناء حصة النشاط أو لعلها حصة الرياضة أو ” الفسحة ” .. قامت المعلمة باللهو مع الأطفال في لعبة ( الاستغماية ) الشهيرة .. حيث قامت المعلمة بوضع قطعة من القماش تشبه المنديل كـ ” عصبة ” على عينيّ أحد الأطفال ؛ ليجري بعدها خلف طفل آخر أو مجموعة من الأطفال – غير معصوبي الأعين – فيحاول الطفل الإمساك به أو بأحدهم ؛ بينما كان الأطفال يقومون بإصدار حركات وأصوات معينة من التصفيق بالأيدي أو التفوه بكلمات ليلفتوا اهتمام الطفل – معصوب العينين – إلى مكان تواجدهم ؛ ثم الفرار بعيداً من المكان عند محاولة الطفل الإمساك بهم .. فيمسك بالهواء .. فيضج الجميع بالضحك .. وتتكرر الحركة واللعبة ..
لقد استهوتني تلك اللعبة الطريفة كثيرا .. والتي لم يسبق لي أن شاهدت مثلها من قبل .. وسعدت بها كثيراً ؛ فلقد كانت بالفعل لعبة جميلة ومسلية ؛ وكنت أضحك بسعادة ومرح وبراءة وأنا أجلس بين الأطفال الذين يجلسون للمشاهدة والمتابعة والمشاركة .
طلبت مني المعلمة أن أقوم بالمشاركة في تلك اللعبة المسلية ، تناولت المعلمة ” المنديل ” وقامت بعصب عينيّ بشكل محكم فازدادت سعادتي وفرحتي الطفولية لتلك المشاركة التي سأشارك فيها ورحت أندفع وبكل براءة ألاحق الأطفال حيث مصدر الأصوات كي أحاول الإمساك بأحدهم .. فإذا بي أمسك بالهواء عدة مرات ؛ فيضج الأطفال والمعلمات بالضحك المدوي … وتستمر الملاحقة وتستمر الأصوات وتستمر الضحكات والقهقهات .
نشوة طاغية كانت تغمرني وتسيطر على كل حواسي ومشاعري .. وسعادة عظيمة تغمرني من قمة رأسي وحتى أخمص قدمي .
وددت لو أستمر في هذه اللعبة المسلية طويلاً ؛ وتمنيت في قرارة نفسي أن لا أمسك بأيّ طفل من المشاركين الذين كانوا يقومون بإصدار الحركات والأصوات لكي تستمر اللعبة طويلاً ؛ فإمساك طفل من جانبي يعني إنهاء دوري من المشاركة فيها .. فرحت أندفع هنا وهناك في كل الاتجاهات وأنا أحاول أن أتظاهر برغبتي بالإمساك بطفل ما دون جدوى ..
.. وفجأة ؟؟!!..
.. شعرت وكأن الكون كله قد سقط فوق رأسي ، أو كأنه الزلزال العنيف أو الصاعقة المخيفة ، كل هذا وذاك يسقط فوق رأسي بشكل مفاجئ ؟؟!! .. فأصبت بالدوار العنيف .. الغثيان .. وسقطت بعنف على الأرض لا أدري كنه أو سر ما حدث ؟؟!!
عندما أفقت من الإغماءة – أو شبه الموت – وجدت بأن الأطفال والمعلمات يلتفون من حولي ساهمين واجمين وكأن على رؤوسهم الطير ؟؟!! .
كنت ممدداً على الأرض ، نظرت نحوهم بعيون زائغة وفكر مشوش .. ويبدو بأن أحداً ما قد رفع ” العصبة ” ( المنديل ) – عن عينيّ بعد حدوث الزلزال ، عجبت وتساءلت في سري :
” هل كان الزلزال عليّ وحدي ؟! .. فلماذا لم يصب الجميع بهول الصدمة مثلي ؟؟!! ” .
إحدى المعلمات كانت لا تزال ترش على وجهي شيئاً من الماء البارد . وبدوري فقد تأوهت قليلاً .. تململت في رقدتي .. حاولت أن أعتدل في جلستي ، ساعدتني المعلمة .. بالكاد استطعت الوقوف .. شعرت بالتمايل .. بالغثيان والدوار .. أسندتني المعلمة بكلتا يديها ، أجلستني في مكان به الظل والهواء المنعش ، استطعت أن أرتشف بضع قطرات من المياه قدمتها لي المعلمة .. وبعد عدة محاولات من جميع المعلمات استطعت أن أتمالك نفسي بعض الشيء .. فرحت أبكي بشدة .. بحرقة .. ويبدو بأن أحداً ما قد سارع بإحضار أمي .. وعندما رأيتها ورأتني ازدادت حدة بكائي ونحيبي بشكل غريب .. ؟؟!!.
.. ولم تلبث أمي أن اندفعت نحوي .. راحت تضمني إلى صدرها وقلبها بقوة .. تتشممني .. تقبلني .. تمسح على رأسي وتتحسس وجهي .. صرخت مولولة .. دقت صدرها بقبضة يدها .. بعض المعلمات رحن يحاولن تهدئتها وطمأنتها .. بالكاد استطعن أن يجلسنها على مقعد متهالك .. راحت إحداهن تحاول أن توضح لها حقيقة ما حدث …
الحقيقة كانت مضحكة مبكية في نفس الآن وفي ذات الوقت .. فعندما كنت أقوم بمطاردة الأطفال وأنا معصوب العينين وأتظاهر بمحاولاتي الإمساك بأحدهم .. وعندما شعرت بأن الكون كله كأنه يسقط فوق رأسي .. كان ذلك في واقع الأمر نتيجة لارتطام مقدمة رأسي بقوة في شيء ما .. ولم يكن ذلك الشيء سوى جسر من الحديد أو الفولاذ كان يسند ” المظلة ” ( العريشة ) التي كنا نستظل بها ونلهو تحتها .. ذلك الارتطام الذي أدى إلى ما يشبه ” ارتجاج المخ ” عندي ؛ لأن الصدمة كانت عنيفة جداً وقوية .. وأن الارتطام كان مفاجئاً وعنيفاً ومخيفاً .
راحت أمي تجفف دموعي والتي اختلطت بدموعها .. وراحت تهدهدني وتمسح على رأسي ووجهي براحة يديها .. ابتسمت ابتسامة مغتصبة من بين الدموع الكثيفة .. التفتت ناحية المعلمة التي كانت تقف قريباً مني .. هتفت من بين الدموع :
– سامحك الله .. إنه ابني الوحيد .. وحيد غربتي .. أرجو ان تهتمي به أكثر ..
.. ولم يكن هناك من داعٍ لأن تقوم أمي بالتوصية للاهتمام بي أكثر أو أقل .. فلقد صممت في قرارة نفسي على عدم دخول تلك الروضة مرة أخرى أو العودة إليها بعدما حدث لي إثر تلك الضربة المؤلمة .. ورفضت بإصرار وعناد العودة إليها بالمطلق رغم إلحاح والدي ووالدتي .. وكذلك – خالتي الموسرة – ومحاولة الجميع – وخاصة خالتي الثرية – إغداق بحر الألعاب والهدايا عليّ ؛ والتودد والتدليل بشكل لم أعهده من قبل .. ولكني كنت أرفض كل هذا وذاك .. وأكتفي بأن أمد يدي ناحية مقدمة رأسي المتورم وأتحسسه .. فأجده ما زال متورماً ومؤلماً .. فأبكي بدموع سخية حارقة ..

شاهد أيضاً

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (8)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (8)

” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) =================… (( الفصل …

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (7)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (7)

” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) ================= * حكاية …

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (6)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (6)

(( 6 )) ” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *