الرئيسية / السيرة الذاتية للروائي / السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (10)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (10)

” السيرة الذاتية “
للروائي القاص
سليم عوض عيشان ( علاونة )
=================……
” الفصل السابع “
( بلاد بعيدة .. اسمها ” بلاد غزة ” ؟؟!! )
في تلك الليلة .. أسرت ” أم سليم ” لزوجها بأن الحياة في القرية لم تعد تطاق ، وأن العيش في تلك ” الخشه ” التي تشبه ” الزنزانة ” أصبحت جحيماً لا يطاق .. وأن تحمل ” الحماة ” … ” أم عوض ” لم يعد ممكناً وأصبح من رابع المستحيلات .. وأسرت له برغبتها الأكيدة بالرحيل عن القرية ، فلما سألها :
– إلى أين سنذهب والحرب ما زالت مستعرة والموت في كل مكان .. والمدن تسقط الواحدة تلو الأخرى ؟؟ … قالت له :
– إلى الجنوب ؟؟!! ..
شده ” أبو سليم ” للأمر .. عقد حاجبيه وزم شفتيه دهشة مردداً :
– أيّ حنوب هذا ونحن لا نعرف طوال عمرنا سوى الشمال ؟؟!! .
– إلى الجنوب .. هناك بلاد بعيدة .. بعيدة جداً .. يقال لها ” بلاد غزة ” ؟؟!! ..
– غزة ؟؟!! .. وأين تقع ” بلاد غزة ” هذه ؟؟!!
– أنا لا أعرف بالضبط .. ولكني أعتقد بأنها تقع في أقصى جنوب فلسطين .
– وماذا سنفعل هناك ؟؟ خاصة وأننا لا نعرف أحداً هناك ؟؟!!
– لي أخت .. شقيقه .. متزوجة من رجل غزيّ هناك ..
* * *
.. رحلة الوصول إلى ” بلاد غزة ” كانت رحلة طويلة وشاقة محفوفة بالمخاطر الجمة ؛ خاصة في مثل تلك الظروف العصيبة ، حيث أن الحرب كانت لا تزال مستعرة في كل مكان وفي كل الأرجاء وكل الأنحاء من فلسطين .
حمل ” أبو سليم ” بعض المتاع المتواضع عند مغادرة القرية ” جبع ” برفقة زوجته وطفله عندما كانوا يغادرون القرية في الصباح الباكر .. ومن ثم توجه الجميع نحو ” كراج القرية ” واستقلوا إحدى السيارات ( الحافلات ) المتوجهة إلى مدينة ” نابلس ” ؛ ومنها إلى ” القدس ” ؛ ومن ثم إلى ” بئر السبع ” .. وأخيراً .. أخيراً جداً وصلوا إلى ” بلاد غزة ” .
.. كانت بالفعل رحلة شاقة طويلة ومضنية ؛ خاصة وأن الحافلات التي كانت تعمل على تلك الخطوط شحيحة جداً علاوة على أنها كانت تتقاضى أجوراً مضاعفة عدة مرات .
وذلك لأن في تحركها من مكان إلى آخر المجازفة والمخاطرة التي لا تحمد عقباها .
.. فلقد انهمر الرصاص عليهم عدة مرات وهم يجتازون بعض الطرقات الوعرة والقريبة من المستوطنات التي أقامها العدو لتتحكم في الممرات والطرق ، فأصبح السير في الشوارع الرئيسة التي تصل بين المدن شبه مستحيل .
لا زلت أذكر – كالحلم – موقفاً معيناً أثناء رحلة السفر الشاقة تلك ؛ وقد كان لي من العمر ما يزيد على العامين ببضعة أشهر . أذكر بأننا ركبنا فيما يشبه الشاحنة ” ترك ” برفقة مجموعة كبيرة جلهم من الرجال والشباب ؛ وأذكر جيداً بأن الجميع قد صعدوا إلى ” صندوق الحافلة ” الخلفي الكبير .. بينما جلست مع أمي وأبي إلى جانب السائق .. وأظن بأن ذلك كان يرجع إلى كون أمي هي المرأة الوحيدة في الحافلة وأن والدي قد قام بدفع أجر إضافي ومضاعف للجلوس في ذلك المكان المميز بالفعل .
أذكر جيداً – وحتى الآن – بأنني قد سمعت عدة طلقات نارية متتالية تنصب على الحافلة والركاب من جميع الاتجاهات ؛ مما حدا بالسائق لأن يزيد سرعة الحافلة بأقصى سرعة ممكنة ؛ وتناهي إلى مسامعي صراخ الرجال والشباب الذين كانوا في الصندوق الخلفي للحافلة .. والذين تعالى صراخهم بشكل هستيري جماعي :
” يا ساتر .. يا ساتر .. يا ساتر ” .
.. ويبدو بأن بعضهم قد أصيب بالفعل … فأخذت أبكي بشدة من الخوف والرعب الذي أصابني إثر سماعي إطلاق النار وصراخ الرجال … راحت أمي تهدئ من روعي وتربت على وجهي وتضع يدها فوق رأسي وهي تتمتم بعض الآيات القرآنية والأدعية .
وأذكر جيداً بأن السائق قد أعطاني على سبيل الترضية والتهدئة ( أصبع موز ) لا زلت أذكره حتى اليوم .. وبدوري حاولت أن أقضم منه شيئاً .. إلا أنني وجدت بأنه ” يابس ” .. قاسي وجاف .. فعزفت عن ذلك وخلدت إلى النوم … ويبدو بأنني قد استغرقت في النوم لوقت طويل .. لأنني عندما استيقظت من النوم ؛ عدت من جديد لقضم ” أصبع الموز ” – والذي كنت لا أزال ممكساً به بكلتا يديّ – فوجدته قد أصبح طرياً سهل القضم ؛ وأعتقد بأن ذلك كان بفعل عامل الوقت الطويل الذي كنت قابضاً فيه على ” أصبع الموز ” الذي استمد الشيء الكثير من حرارة يديّ وحرارة الجو القائظ ، فنضج واستوى … فقمت بتقشيره .. والتهامه .
.. عندما وصلنا إلى ( بلاد غزة ) كان ” أبو سليم ” خائر القوى ومنهك بشكل غريب ؛ وكذلك كان الحال بالنسبة لزوجته ” أم سليم ” ؛ فقد شعر بالفعل بمشاق السفر والغربة .
وشعر بمرارة البعد عن الأهل ، فبدت عيناه مغرورقتان بالدموع .. وكان يبكي بصمت .
وبدأت رحلة أخرى من رحلات البحث والسؤال عن الهدف المطلوب .. إلى أن تم أخيرا إرشاد بعض السكان إلى المنزل المطلوب وذلك بعد لأي شديد ..وعندما وصل الجميع إلى منزل خالتي ” سميرة ” التي هي شقيقة ” زينب – أم سليم ” .. والتي كانت متزوجة من رجل ” غزيّ ” ثري .. استقبلتهم خالتي ” سميرة ” وزوجها بالترحاب والسرور والدهشة لهذه المفاجأة غير المتوقعة ، فلما انتحت الشقيقتان جانباً ، راحت ” أم سليم ” تطلع شقيقتها على رحلة المعاناة من القرية ” جبع ” إلى ( بلاد غزة ) والتي استمرت لساعات وساعات طوال من المعاناة .
.. استمرت الضيافة لعدة أيام ؛ فوجد ” أبو سليم ” بأن لا مناص من البحث عن منزل مستقل مهما يكن متواضعاً على أن يكون قريباً من منزل شقيقة زوجته ، وأخذ الجميع بالبحث عن المنزل المطلوب .. وكان ذلك الأمر من الصعوبة بمكان ؛ خاصة وأن سكان المدن والقرى القريبة من ( بلاد غزة ) قد بدأوا بالوصول المكثف إلى ” غزة ” فراراً من جحيم المعارك الدائرة في شتى أنحاء فلسطين وفراراً من عمليات القتل الجماعي والبطش الذي كان يمارسه رجال العصابات الصهيونية ضد المواطنين الآمنين ؛ خاصة بعد أن عمدت شراذم عصابات العدو المسلحة إلى اللجوء إلى أسلوب آخر غير قتل المدنيين عند استيلائها على المدن والقرى الفلسطينية ؛ إذ لجأوا إلى البطش والتنكيل بالرجال قبل قتلهم .. والاعتداء على النساء وبقر بطون الحوامل منهن وإخراج الأجنة على رؤوس السنابك والحراب وقلتهن ؟؟!!.
أكثر ما كان يؤثر على الرجل الفلسطيني المسلم الغيور بشكل عام .. هو عرضه وشرفه ؛ وأرضه ، فلما رأي بأن الأرض قد سلبت ؛ قرر الفرار قبل أن يسلب عرضه وشرفه ؛ فكانت الهجرات الجماعية والنزوح الكبير لسكان القرى والمدن .
سكان المناطق الشمالية من فلسطين فروا إلى سوريا ولبنان ؛ وسكان الوسط الفلسطيني فروا إلى الأردن ؛ وسكان الجنوب الفلسطيني فروا إلى ( بلاد غزة ) .. ” قطاع غزة ” .
لقد فر إلى( بلاد غزة ) جميع سكان الجنوب ( جنوب فلسطين ) وأيضاً بعض سكان مدن الوسط مثل يافا .. اللد .. الرملة .. وغيرها من المدن والقرى والقليل القليل من سكان الشمال .
في مثل هذا الزخم البشري المتلاطم ؛ كان من المستحيل أن يعثر المرء على منزل للسكنى مهما كان متواضعاً ، فلم يعد في غزة أو ضواحيها أي متسع لاستقبال القادمين الجدد من النازحين … بالكاد .. استطاع ” أبو سليم ” وبمساعدة زوج شقيقة زوجته ” الغزيّ ” أن يجد حجرة واحدة شاغرة للسكني .

شاهد أيضاً

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (8)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (8)

” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) =================… (( الفصل …

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (7)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (7)

” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) ================= * حكاية …

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (6)

السيرة الذاتية للروائي القاص سليم عوض عيشان علاونه (6)

(( 6 )) ” السيرة الذاتية “ للروائي القاص سليم عوض عيشان ( علاونة ) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *